و"إنما لكل امرئ ما نوى"وبقي عليهم إتمام عقد التوحيد .
وهو إتمام معنى قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) هذه كلمتهم لو
قالوها بعلم وبقي عليهم ، وهو الواحد القهار ، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْخَبِيرُ (18) .
قال الله جلَّ من قائل: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ
رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) . فهو الله لا إله إلا هو خلقه ، ثم سواه
بأن نفخ فيه الروح ، فجعله بذلك سميعا بصيرًا ، مؤمنا مسلمًا ، منيبًا راضيًا ، عالما
حكيما إلى سائر الأسماء والصفات ، فلا بد من إعطاء حكمة الله قسطها مع توحيده
نفسه وتنزيهه العلي ، وأن يوجد في أفعال عباده فيضاف إليه وينسب ، وإلا كان
المعتقد على ما معنى قول الجبرية حيث إنهم إن أوقفوا أفعالهم ، وأخرجوا مراداتهم
على أنفسهم خرجوا على معتقد القدرية ، بل أمرهم راجع للحق المخلوق به
السماوات والأرض ، هو الواحد القهار ، هو الفاعل الأول تعالى وجوده ، وهو
الفاعل بملكه لإسناده من خلقٍ أو أمر؛ لأنه يملك السمع والأبصار والأفئدة
والجوارح والظاهر والباطن وبيده كل شيء ، هكذا ملكهم ، وبما لهم من وجود
في أنفسهم أوجدهم عليه ، كانوا عبيدًا له أرقاء ، كلفهم وأمرهم ونهاهم ، وقد نفخ
في آدم - عليه السَّلام - من روحه واصطفاه ، وجعل ذلك وراثة في الهادين المهتدين من ذريته ؛
ووالى منهم الأولياء ، واتخذ منهم الأخلاء والأحباء ونسبهم إلى ننسه ، وجعلهم من
أجل ذلك أئمة للمتقين ، فهم عباد الله تبارك وتعالى وأحباؤه .
قال الله عزَّ من قائل في قصة مريم عليها السلام: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ
لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) . فوجه الحكمة في تمثله لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، ليخرج المراد
منها بَشَرًا ، وكون المراد أيضًا ملكيًا لما كان في حين كونه ملكًا باطنًا ، ملكي الباطن