أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) . واستباق اسم العزة في قوله:
(فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) . إذ العزيز يفعل ما يشاء ، ويضل من يشاء ،
وينفذ أمره فيمن يشاء هدايته وفيمن يشاء إضلاله ، وتكون له مع ذلك الحجة البالغة ،
وهو الحميد المحمود مع أنه لو شاء لهداكم أجمعين ، فكان هذا من ذكر العزة
إيماء إلى ما توجه إليه الخطاب من تعجيز إبليس ، وتوحد العزيز العلي بالعزة
والقهر ، ومضاء المشيئة العالية وهكذا هو يبطن إذا أظهر ، ويظهر إذا أبطن - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه .
(فصل)
قال الله - عز وجل -: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) يريد وهو أعلم: أسماء الله - جلَّ جلالُه - ،
وأسماء الموجودات ، وأسماء الملائكة الموكلين بإيجادها وتدبيرها على ما يقتضيه
مسالك أسمائه في الموجودات ؛ إذ لأسمائه آثار في كل ما خلق ، وفي خلقه دلائل
على كل ما تسمى به واتصف ولكل مخلوقاته ملائكة موكلون به فخاص وعام ،
وأسماء ملائكته على كل موجود موافقة وجدت له لوجود كل موجود وجدت
له . (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) ، يعني: وهو أعلم الموجودات التي في مقتضى
أسمائه (فَقَالَ) للملائكة: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) أي الأسماء
التي تقتضي هذه الموجودات.
وقوله لآدم - عليه السَّلام -: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) يعني: وهو أعلم
الملائكة بأسمائهم ؛ أي: بأسماء أنفسهم فأنبأ كلًا باسمه المطابق لما وكل إليه
من الموجودات ، وكان إبليس - لعنه الله - يومئذٍ مع الملائكة - عليهم السلام -
على مصافه لما وجد له يومئذٍ ؛ فأنبأه فيمن إنباء باسمه الذي هو أولى به بأنه إبليس ،