وبهما معًا على قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) بكريم الكفالة وعليّ
الكلاءة والحفظ والتوقية والرحمة.
(فصل)
كان الله - جلَّ جلالُه - ولا شيء قبله، ولا موجود سواه، ولما كتب في الذكر كل شيء ثم
أوجد أوائل ما كتبه فكان ذلك ثناء لفردانيته، ثم استوى على العرش فحمد كل
شيء باستوائه على العرش؛ إذ يحيي باستوائه ذلك العبد الكلي، واستوى؛ أي: كمل
وتمَّ كما شاءه المستوي العلي الكبير، فهو - جلَّ ذكره - لا يعزف عنه من
موجودات عبده الكلي والجزئي مثقال ذرة في العلو ولا في المنتهى، ولا ما هو
أصغر من ذلك ولا أكبر، فكان مقتضى اسمه"الرحمن"شامل للجملة، ومقتضى
اسمه"الرحيم"عام للمطيعين.
ثم هو تعالى جامع رحمته بهما لعباده المؤمنين في مستقبل الشأن من الدار
الآخرة قوله تعالى: (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يقول الله: مجدني عبدي".
المجد لا يكون إلا بالملك والسلطان والتمكين وسعة البسطة، مع حسن
الفعال وجزيل العطاء وكرم السيرة، مع شدة البأس على الأعداء، وعظيم الإحسان
إلى الأولياء.
وفي أخرى:"فوَّض إليَّ عبدي"ففي قول العبد: (مَالِكِ يوم الدِّينِ) إقرار
منه بالبعث بعد الموت، وإيمان بالجزاء واليوم الآخر: مع العلم بالجزاء العاجل،
إلى غير ذلك من أحكام الدنيا والآخرة، فينثني هذا التمجيد على حسن الثناء، وهما
على التمجيد والدين متردد إلى معنى الجزاء والطاعة.
فمقتضى اسمه"مالك"في هذا الموضع: إنه مالك بالطاعة المطيعين، وأمانة
الأمينين، وخلاف المخالفين، وجزائهم من ثواب وعقاب؛ يعطي ما شاء من شاء من
ذلك ويمنع، كما أن ظاهر مقتضى"ملك"أن له الملك كله يومئذٍ ولم يزل كذلك،