فقال لهم السامري: إنكم استعرتم حلي القبط غصبًا ولا يحل لكم الاستمتاع به ،
وحملهم على أن يقذف كل إنسان ما حصل عنده من ذلك الحلي في نار قد
استوقدها ، فألقى فيها ما ألقاه ، وهي القبضة التي قبضها من أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وخلق الله - جلَّ جلالُه - من ذلك الحلي (عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) يعني: له روح وجسم حي ؛
فقال: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) ، قال: وإنما نسي موسى إلهه فهو يطلبه ولا
يجده ، فاستهوى منهم من استهوى ، ونصحهم هارون بقوله: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ
بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) . وكثر اللغط ، وارتفعت
الأصوات في المعسكر بين المهتدين والذين ضلوا به .
ولما ورد موسى - عليه السَّلام - على ربه - عز وجل - قال له: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى(83)
قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) .
مؤخر التصديق بالغيب ، وإسلام النفس على ذلك جملة ، وعلى ذلك وقعت
المبايعة ، ولم يضر الإيمان بالغيب ما يراه المؤمن أو يري له من عاجل بشري يتاح
له ؛ إذ ذاك في غالب الحال من غير تطاول عليه .
قوله تعالى:(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)كما قال - جل وصفه
-في القرآن: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وقال: (وَكُلَّ شَيْءٍ
فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) .
ومعنى قوله - جلَّ جلالُه -: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) أي: بعزم وحزم ، وعلى قدر ما يكشف الله
للعبد من علم الغيب الذي إليه المصير ، يكلف لذلك من عدم التقييد ، واليقين به
لذلك ، وهو أعلم .
قال جل قوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) كما قال في