هذه الآية: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
(سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) يريد وهو أعلم دار الشام التي
كتب الله لهم . وقيل: هي مصر ، وأرى والله أعلم أن دار الفاسفين هو مصيرهم
وسبيلهم ، وجميع شأنهم ؛ فإن كان ذلك هو المراد فهو وعد منه كما قال:
(وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) يريد مماليك فرعون كلها .
ولذلك وصل به قوله تعالى:(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ)يقول سوف أحرمهم الإيمان بها وإن آمنوا أحرمهم
فهم كتابي وآياتي ، ثم أخذ على وصفهم على ذلك بقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا
يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) . أي: الذين آمنوا وكانوا غافلين ، يقول:
سأحرم هؤلاء وهؤلاء الفهم عني وأصرفهم عن النظر في آياتي وتفهم كتابي .
تقدير الكلام: والذين آمنوا بآياتي وكانوا عنها غافلين حال إيمانهم ، فأولئك
أيضًا يصرفهم عن الفهم عنه في كتابه وحكمته .
قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
إلى قوله: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أنبأ
جل ذكره بما يصعد للعباد عن فهم كتابه ، والتفقه في معاني خطابه ، وما تعمى
البصائر عن النظر في ملكوت السماوات والأرض ، وهو التكبر في الأرض ، والعمل
بغير طاعة الله - جلَّ جلالُه - ، والإعراض عن سماع المواعظ ، وترك الأخذ بأحسن ما يسمعون ،
وترك الاقتداء بالرسل - عليهم السلامِ - وهذا كله يكسب التكذيب في الغفلة ؛
لذلك قال عز من قائل: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) .
والعبد ما لم يكذب بآيات الله ولقاء ربه في سعة من أمره إن كان في عامة
المسلمين كان من تبعيتهم وسباقتهم ، وإن كان من عليتهم في الدرجات العلا ، وإذ
ما يكسبه الغفلة الوقر في أذن القلب عن شهادة البينات وعدم التعدي إليها ، فلا