أيتها الأمة جميع ما أهلك من أجله من كان قبلنا من الأمم من الغفلة وترك التوبة
والإعراض عن الذكر والجبروت [وغلظ] السطوة والمباهاة بذلك ، أهلك الله عادًا
وتطفيف المكيال والميزان ، والصد عن سبيل الله ، وإبغائنا العوج بقعودنا على كل
صراط للمسلمين بالتغيير والتبديل والإيعاد على ذلك ، والتهديد والتشديد حتى
لقد انمحى رسم الإسلام فلم يبقَ إلا اسمه ، وطفئت أنوار الإيمان فلم يبقَ منها إلا
خواطر تجيء ثم تذهب كالبرق ، وبذلك أهلك الله قوم شعيب - عليه السَّلام - .
ثم العلو في الأرض ، وجعل الناس شيعًا تستضعف طائفة منهم فعل فرعون
ببني إسرائيل ، ثم ركوب الفواحش علانية وسرًّا كالجهر ، وبذلك أهلك قوم لوط
وغيرهم ، ولم يكن منهم فعل ذميم إلا وفينا ظهوره ولا سيرة عوجاء إلا ومنا
ابتداؤها وإلينا انتهاؤها ، فالنظر في عيوب من مضى على ما نحن عليه حمق من
فاعله وقلة تحصيل ، لكن اتعاظ وازدجارٍ ، وقد قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . ).
وقال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) .
وقال: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66) .
كما قال: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . . . ) إلى قوله:
(وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ(114) .
ثم استأنف الخطاب مواجهة لنا بقوله (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)