فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 2809

تلك البذرة ، وعلى هذا تعلم أن الآخرة من الدنيا ، ثم يرجع بصره عودًا بعد بدء ،

فيعلم ما في الدنيا من الآخرة ، ثم يرجع البصر كرة ثانية فيعرف بكل وجود

هو في الدنيا موجودات الآخرة ، فإن الدنيا هي مفصولة من الآخرة ، وهذه هي

المشاهدة لها .

وعلى هذا فالشجرة بما حوته في هذا المثل هي الدار الوسطى ، وإن الدنيا

هي البذرة بما انحشر فيها وما انقسمت إليه ، وأول ما خلق الله جل وعز الدنيا

لم يسبق البذور ، وإنما خلق الشجر والنبات ، ثم عن ذلك أوجد البذر عن الشجر .

كذلك الدنيا منتزعة عن الآخرة ، فالدنيا بما هي الشجرة وكل حي فيها بمنزلة

البذور ، فإذا ماتوا صاروا بمنزلة الشجر الذي يكون عنها البذر ، ثم إذا بعثوا بمنزلة

البذرة .

يقول الله جل من قائل: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى

أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) . وليس القول بأن

يكون الميت في الدار الوسطى شجرة ، إنما هو مثل مضروب على منزلة الشجرة من

الحبة ، ومنزلة الحبة من الشجرة ، فافهم .

ثم تعلم بذلك أن معاني أسماء الموجد جل ذكره ونعوت صفاته العلا

وموجودات الدنيا والآخرة وآياتهما فيهما جارية في المخلوقات كجريان الماء

بما احتمله من أوصاف تلك البذرة باطنًا في إنشاء تلك الشجرة ؛ إذ بذلك الماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت