الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) . فاستمع لكلام ربك جل ذكره وتفطن ،
فإن كل رحمة أظهرها في دار الدنيا ، وكل نعمة أسداها فما هي لسوى المؤمن ،
وهي خالصة لهم يوم القيامة من دون الناس ، بل هو هناك بهم أرحم وعليهم
أعطف ، وإنما أنزل جل وعلا إلى الأرض رحمة واحدة عمَّ بها جميع الأجناس في
الأرض والجن والإنس ، وقد أخبر بأنه يقبضها إلى تسعة وتسعين رحمة خبأها
عنده يرحمهم بها .
وعلى هذا فدونك فاستقر كل رحمة له وكل نعمة يمن بها من حمله إياهم
في بر أو بحر ، أو بيوت جعلها لهم سكنًا ، أو ثياب جعلها لهم لباسًا وسترًا ،
ودفاعًا لبأس أو حر أو برد أو طعام أو شراب أو روح أو راحة أو نعمة نفع أو
دفع ، فهي لهم ؛ أعني: المؤمنين خالصة يوم القيامة ؛ لذلك كثيرًا ما عدد أنواع
رحمته يذكِّر بنعمته ؛ ليدعوا إلى الاستجابة له ، وليحبب إلينا لقاءه ، وليكسبنا
حبه المعهود من جنة المنعم ، وهي كلها إشارات إلى وعد له بها
صادق في الدار الآخرة يكرم بها عباده ، فتارة يخص وتارة يعم ، ولمثل هذا وما
هو أعرق من هذا وأعظم نفعًا قال جلَّ من قائل: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) أي: بما
هنالك (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12) . فأحاله بهذا الخطاب على ما وراء