الرياح وفي الأرض فيح جهنم سعيرها وزمهريرها ، وفتح رحمته كما قال جل ذكره:
(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ
مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)، فاحتمل السيل لذلك
زبدًا ، ولم يظهر في الأغلب زبدًا الماء في مسالكه ومثاعبه على الأرض خلا جوهر
الماء وبرده ، كما لم يظهر للنفسين في الأجواء ومسالك الكواكب ومجاري الأفلاك
زبدًا خلا السمومين: سموم الحر والبرد .
وإنما يظهر الله جل ذكره زبده في النبات والحيوان المخلوق عنه بواسطة الحق
المخلوق به السماوات والأرض ، فيظهر إذ ذاك في النبات الشهي والكريه والحلو
والمر والمتوسط والعذب والتفه المغذي والضار النافع بإذنه ، والطيب والخبيث من
النبات والحيوان والطاهر والرجس النجس واللين والخشن والمرار كله
والشائكات ، والمكروه والمحبوب من ذلك كله حيوانه ونباته وأحجار الأرض
ومعادنها وأنواع أتربتها ، وأمره جل ذكره أمره وإنما هو الحق كلما مازح حقًّا كان
عن ذينك النوعين من الحق نوع آخر يوجد فيه من شبه ذينك النوعين الحق .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فمن أين يكون الشبه"فكلما بعد عن مبدأ الماء بعد عن
الطهارة والطيب على نحو مشيئته جل ذكره في خلقه وأذنه في مصنوعاته فافهم ،
فذلك قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) على هذا التأويل الأودية التي هي
الأودية ، والمثاعب والمسالك التي يسلك عليها المياه إلى موضع مستقرها الذي هو
النهر الأعظم ، فهنالك يظهر الله جل ذكره على الأغلب زبد الماء رابيًا عليه ؛ أي:
مرتفعًا فوقه ، كذلك كونه في هذه الدار في الأغلب الباطل يعلو الحق ، لكن العاقبة
للمتقين ، فهذا وجه .
(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ