أحدهما: ما هو كائن ، لكنه غيب في وجود سواه ، كالعلقة هي غيب في النطفة ،
والمضغة غيب في العلقة ، والإنسان غيب في هذا كله على درجات انتقاله ، وكالماء
هو غيب في الهواء ، وكالنبات هو غيب في الماء ، والحيوان غيب في النبات ، والماء
والأرض والإنسان غيب في هذا كله على درجات انتقاله ، فهذه منزلة غيب ما
يوجده الله جل ذكره من حكم التوسعة في الدارين الذي عبر عنه بقوله: (وَالسَّمَاءَ
بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) . بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"ما الدنيا في"
الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم فانظر بِمَ يرجع منها ؟"."
والمنزلة الثانية: حكمها حكم حقيقة حياة الشهيد ، حيث أخبر الله عنها بصدق
قيله أنه حي يرزق ويسر ويستبشر ويأكل ويشرب [....] يقول فيه: حيث هذا باطن
غيب وحقيقة موجوده على ضد ما هو ظاهره ، [....] هذا بخلاف الظاهر منه .
والمنزلة الثالثة: حكمها وجود الملائكة - عليهم السلام - ووجود الجن
معلوم لنا الآن ومشاهد لغيرنا ، وأعلى من هذا كله وجودًا وأحق حقيقة: وجود الله
العلي ، الكبير - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - فهذا حق الحق ، وهو غيب ، فكذلك
وجود الجنان حق بحكم التوسعة المذكورة أولًا بوجه ما ، وهي موجودة بحكم
وجود الغيب الذي ظاهره خلاف باطنه الذي هو غيبه ، وهي أيضًا موجودة بحكم
وجود الحق الذي كل وجود منتزع من وجوده ، ونحن وإن كنا نرى سماء وأفلاكًا
وبروجًا وشمسًا وقمزا وهواء فهو حق وشرط كما أن حقيقة وجود الشهيد طعامًا
للطير والسباع حق ، ووجوده حيًّا يرزق وجود حق ، وقد أخبر بذلك الصادق الحق
وأقسم عليه ، فهو الحق والحمد لله رب العالمين .
وأما على قراءة من قرأ:"وجعل فيها سُرُجًا"وهي الكواكب ، وهي في