فهرس الكتاب

الصفحة 1482 من 2809

وأوضح انشراحًا ، فانظر - وفقك الله - لما كانت موجودات الآخرة مقربة فيما

هنالك بالتسبيح والتحميد والذكر والتوحيد والسجود ، معلنة بضروب العبارات جبلَّة

وسجية ، وقد وجهك إلى هذه الدار التي أساسها على الإيمان بالغيب وأوجدها

للابتلاء ، أسر تسبيحها وأخفى سجودها ، وأعلمنا بما هي عليه من ذلك ، لينظر كيف

نعمل في التصديق لقيله والإيمان بإعلامه ، والعمل بما كلفها وشرع لها من هدايته .

ثم هو الآن جل ذكره ينشئ إعلانها نشأً إلى أن يصيرها إلى حيث استخرجها ،

فيعيدها جل ذكره إلى حال إعلانها ، وهو المبدئ المعيد ، وقد أوجد - جلَّ جلالُه - جملة

الأصول الأربعة أمر الملائكة - عليهم السلام - بجمع المواد ، ومزج ما هو من

شأنه الامتزاج ، وتفريق ما من شأنه التفريق ، وتصعيد ما من شأنه التصعيد ، وإمساك

ما من شأنه الإمساك ، وإنماء ما من شأنه الإنماء ، وتصوير الصور وتخطيط الأشكال ،

وربط ما من شأنه الرباط ، وحل مَن شأنه الحل ، يعملون بأمره ، ويشفعون عنده

بإذنه ، وهم يسبحون في ذلك يحمدون ويسجدون له .

فالأصول الأول تسجد لبارئها وتعبده في مستودعاتها من الخزائن ، وجملتها

قانتة لمضطرها ، والمواد تسجد له داخرة حال ما تساق بدعوته إياها ، والنازعات

والجاذبات والناشرات والماسكات والدافعات والملقيات للأمر بمشيئة ربهم عز

جلاله ، والناشطات والفارقات والناميات والهاضمات والمغذيات ، وجميع

المدبرات للأمر يسبحون بحمد ربهم ويسجدون له ويفعلون ما يؤمرون .

والموجود بما هو مقهور قد أحاط به الاضطرار ، ولذَّه عزم الاقتدار الممنح له

إلى ما لا بد منه ولا محيص عنه ساجد لربه ، داخر لبارئه ، خاضع لعزته ، يصرفه

كيف شاء ، ويقلبه إلى ما يريد ، فهو - أعني: الموجود - ساجد بكليته ، وعابد

بجملته على كل أحواله وجميع جهات معانيه .

(فصل)

هذا من حيث هو نبات وشخص له ظل ، وقد أخبر الله جل ذكره أن ظلال

الأشخاص تسجد له ، وأرانا كيفية سجودها في حال تفيؤها ، ثُمَّ أخبر بصدق قبله إن

الأشخاص تسجد له أيضًا ، فمن الواجب الإيمان به وتحقيق الإيمان بوجودها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت