الأوليات ، هذا فيما هو ظاهر لأوائل العقول .
وأما في قضاء العقول الناهية والألباب الصافية ، والإيمان الأعلى واليقين
الأرفع فكلّ شمله التكليف كونًا وشرعا لأمره في ذلك .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُمْ)أي: يفهم بعضها بعضًا ، وأمم تألف كأمثالنا ، هكذا قال جل
من قائل في موجودات الأرض ، ومعلوم أن موجودات ما علا أفصح ، وفعلها
أشرح ، فافهم .
فما من شيء إلا يسبح بحمده طوعًا وكرهًا ، فالمؤمن يسبحه - جلَّ جلالُه - طوعًا بما هو
عامد لذلك ناوٍ له ، وكرهًا بما هو غافل عن ذلك ساهٍ ، والكافر يسبحه - جلَّ جلالُه - كرهًا بما
هو غير مريد لذلك نافرًا عنه منكرًا له ، ثم طوعًا بما هو يؤم وجهة هو مولاها قدرت
له قبل إيجاده ، وحمل عليها بإرادته وكسبه ، يناضل عنها ويجاحش عليها جهده ؛
لينال ما سيق له من مقدر في أم الكتاب ، وهو بما لا يعلم ذلك من نفسه مكره عليه ،
وما يعرف سجودها من ركوعها من تسبيحها من حمدها من صلاتها ، فربما أتى
ذكره متصلًا بأولي المذكور بها ، والله الموفق للصواب ، وهو يقول الحق ويهدي
السبيل .
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) .