فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 2809

بغير حساب .

قوله تعالى: (لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) جاء باسم الليل هنا ،

والسرى معهود ألا يكون إلا ليلًا ، وإنما ذلك لأنه الإسراء ، وهو يكون بالليل ويكون

بالنهار ، إذ الإسراء ذهاب به عن هذه الدار وما فيها إلى ما قد شاء الله أن يظهره

له فيما هنالك ، فهو باطن في حق المسريّ به ، ليس كذلك السرى الذي هو

بالأجسام .

وقال:(مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ

آيَاتِنَا)أراد - وهو أعلم - تبيين بُعد المسافة مع ذكر الليل ،

وعجب من ذلك وتمدح به ، وإنما معهود التعجيب أبدًا بما يُرى على

المعهود من إظهار المقدور الغائب يخرق به العوائد ، وسمي بيت المقدس:

الأقصى ، والمتكلم فيه المنتقل عنه المسجد الحرام إنباءً منه - جلَّ ذكره - بأنه

سيحدث للمسلمين مسجدًا ثالثا ، وهو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فكان مسجد

المدينة هو الأدنى؛ أي: إلى المسجد الحرام ، وقال: إنه بارك فيما حوله ، أي: بالثمار

وتفجير الأنهار ، وربما سميت تلك الأرض: مقدسة ومباركة؛ لتجلي المبارك

القدوس - عزَّ جلاله - فيها لموسى - عليه السَّلام - وتكليمه إياه فيما هنالك .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) وقال:

(إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(12) . فليس يبعد مع هذا أن يكون الله - جل ذكره

-أبقى بركة تجليه فيما هنالك إلى يوم القيامة ، ولعلمه في الأزل بما يكون من ذلك

سماها في الكتاب الأول بذلك ، كما سمى يحيى ومحمدًا ؛ لعلمه السابق فيهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت