الرحمة والرأفة ، يتبعه عدد كثير وسواد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل
قطع السحاب ، ومواكب أمثال الجبال ، كأن خفيق راياتهم طيران النور ، وكأن
صهيل فرسانهم زئير الأسود ، لا يعرفون وجوههم ولا يفهمون كلامهم ولا يرحمون
بكاءهم ، يعيدون العمران خرابًا والقرى وحشة ، قلوبهم قاسية لا يفيقون ولا
يستفيقون ، ولا يراقبون ولا يرحمون ، يجولون خلال الديار بأصوات مثل نهيت
الأسد تقشعر من هيبته الجلود ، وتطيش من سمعه الأحلام ، وجوههم كريهة ،
ظاهر عليها المنكر .
وعزتي وجلالي لأعطلنها من كتبي وقدسي ، ولأخلين مجالسها من
أنسي ولأوحشن مسجدها من عمارة الذين كانوا يتزينون بعمارته لغيري ،
ويتهجدون فيها ، ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين ، ويتفقهون فيها لغير العلم ،
ويتعلمون لغير العمل ، ثم لأبدلن ملوكها بالعزِّ الذل ، وبالأمن الخوف ، وبالنعمة
الجوع ، وبطول العافية ألوان البلاء ، ولأعيدن فيها بعد النحيب والأصوات
صياح الهام ، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب ، وبعد القصور الشامخات أعصار
العجاج ، وبعد الأنس الوحشة .
ولأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال ، وبنطق الحرير وقلائد الدر والياقوت
سلاسل الحديد ، وبألوان الطيب والدُّهن التفل والعَقار ، وبالجلوس على الزرابي
المشي في الأسواق وعبارة الأنهار ، ثم لأدوسنهم بألوان العذاب حتى لو كان
الكائن منهم جاثمًا لوصل إليه الخوف ، وحفَّ به البلاء حتى يقتلعه من ذلك
المكان ، فإني إنما أكرم من أكرمني ، وأهين من هانَ عليه أمري"."