فهرس الكتاب

الصفحة 1562 من 2809

(فصل)

موضوع التكليف الذي هو الشرع مخالفة الهوى ، إلا ما استثنى من ذلك حكم

التيسير والرحمة ، ومعهود وجود الهوى ما نحن حيث يصح وجود العقل ،

فالملائكة - عليهم السَّلام - لهم العقل ولا هوى لهم ، والثقلان - الإنس والجن -

عقل وهوى ، وحمدت العوالم دون هذه المرتبة على هاتين الصفتين العقل والهوى ،

فكانت الجبلة والفطرة المنتزع منها الهوى موجودة فيها لا محالة ، وكان إمساك الله

لها في إحراز وجودها عليها عقلها .

فإذًا شرع الجماد والنبات والحيوان مخالفة الجبلة ، ولخلوها عن الهوى لم

تخالف ما شرع عليها إليه ، بل فطرت على وجودها ، وإنما جبل الثقيل ليهبط

سفلا ، والخفيف ليصعد علوًّا ، والمائع يجري صببًا لما فيه من التوسط بين

الهواء والأرض ، والهواء متبدد متموج ، وإمساك الله - جل ذكره - هذه الموجودات

على حكمه ، ووقفها على مراده ، وتسخيره إياها لما يريد منها لسواها هو تسبيحها ؛

لأنه فطرها على طاعته ، وأوجدها على معرفته(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).

وقال: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) .

وقال:(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا

مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ).

فقيام الموجودات مقامها ومخالفتها ما جبلها الله عليه طائعة له قانتة هو

تسبيحها ، فعلى هذا فليس من شيء في السماوات والأرض إلا يسبح له ؛ لأنه غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت