(فصل)
موضوع التكليف الذي هو الشرع مخالفة الهوى ، إلا ما استثنى من ذلك حكم
التيسير والرحمة ، ومعهود وجود الهوى ما نحن حيث يصح وجود العقل ،
فالملائكة - عليهم السَّلام - لهم العقل ولا هوى لهم ، والثقلان - الإنس والجن -
عقل وهوى ، وحمدت العوالم دون هذه المرتبة على هاتين الصفتين العقل والهوى ،
فكانت الجبلة والفطرة المنتزع منها الهوى موجودة فيها لا محالة ، وكان إمساك الله
لها في إحراز وجودها عليها عقلها .
فإذًا شرع الجماد والنبات والحيوان مخالفة الجبلة ، ولخلوها عن الهوى لم
تخالف ما شرع عليها إليه ، بل فطرت على وجودها ، وإنما جبل الثقيل ليهبط
سفلا ، والخفيف ليصعد علوًّا ، والمائع يجري صببًا لما فيه من التوسط بين
الهواء والأرض ، والهواء متبدد متموج ، وإمساك الله - جل ذكره - هذه الموجودات
على حكمه ، ووقفها على مراده ، وتسخيره إياها لما يريد منها لسواها هو تسبيحها ؛
لأنه فطرها على طاعته ، وأوجدها على معرفته(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).
وقال: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) .
وقال:(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا
مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ).
فقيام الموجودات مقامها ومخالفتها ما جبلها الله عليه طائعة له قانتة هو
تسبيحها ، فعلى هذا فليس من شيء في السماوات والأرض إلا يسبح له ؛ لأنه غير