فهرس الكتاب

الصفحة 1702 من 2809

حال حياتهم الدنيا أمواتًا عن حقيقة الحق المخلوق به السماوات والأرض ، حتى

جهلوا خلقتهم وجبلتهم وما فطروا عليه مع كونهم أحياء مكلفين ، وأنهم ليرجعون

إلى بعض تلك الحقيقة عند اضطرارهم ، ثم إذا رفه عنهم لا يستفيقون ، فهم

على ذلك أموات لا يرون الآيات ، ولا يشاهدون ولا يشهدون مع الشاهدين ، ولا

يتكلمون بالحق ولا يعقلونه ولا يتحركون إليه .

ولهم أيضًا في البرزخ حقيقة يكونون بها أمواتًا ، فلا يعقلون ما هم فيه ،

فبحقيقة ما هم به يحسون ويعقلون ما يصيبهم يقولون:"ربنا لا تقوم الساعة"

آية ذلك رجوعهم في الدنيا حال اضطرارهم إلى ربهم الحق ، وبحقيقة ما هم بها

أموات لا يعقلون ما هم فيه ، ولا يذكرون طول الأمد ، كالذي جاء عن بعض الأنبياء

-على جميعهم السلام - الذي جعله الله للناس آية(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ

كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)قال الله له - عزَّ من قائل:(بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ

عَامٍ).

فلأنهم كانوا في الدنيا لا يذكرون الرجعة والبعث ولا ما هنالك ، يكون ذلك

ولا يذكرون طول مدة البرزخ ولا شدة ما أصابهم ، كما أعماهم بجهلهم عن رؤية

اقتدار اللَّه - جل ثناؤه - على إعادتهم وجمعهم من غيابات البلاء ، كما كان قد

جمعهم من غيابات خزائن السماوات والأرض أول مرة ، ولذلك أضلهم ما هم

عليه يوم يسألهم عما كانوا به شركون بقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23) .

وعن هاتين الحالتين عبَّر - جلَّ جلالُه - بقوله: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)

وبقوله: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا(72)

ويوم البرزخ من يوم الآخرة فهو فيهما أعمى ، وهو في الدار الآخرة

أضل سبيلًا بقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23) . وهاتان الحالتان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت