عجيب أمر الله - جلَّ جلالُه - .
يقول الله - عزَّ من قائل:(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ
سَاعَةٍ)يقول الله - جل ذكره: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) أي: في الدنيا
عن هديتهم ، فجعل تأفيكهم هنا آية على تأفيكهم فيما هنالك ، فتفهَّم فسبحان العليم
القدير مصرفهم ومدبرهم كيف يشاء لما كذبوا الحق الواضح في الدنيا ، وكفروا به
وانتحلوا الإشراك ملة ، ولم يقولوا الحق ولا شهدوا به مع تبين الآيات ، وشهادة
أشهاد جميع الخليقة وماتوا على ذلك حيوا إلى الآخرة على ذلك من كذبهم مع
حقيقة المعاينة .
لذلك عجَّب الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من عظيم اقتداره على حقيقة
الإماتة والإحياء ، وإدخال الحياة في الموت وإدخال الموت في الحياة ، كما يولج
الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، وأوجد اليفظة حال النوم والنوم حال اليقظة ،
فقال - عز من قائل: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)
ثم يجتمع الوجهان المذكوران أنهم يقولون ذلك بحقيقة الموت ،
ويحسون ما يحسونه بحقيقة الحياة .
وأما قوله في سورة المؤمنين: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ(112) قَالُوا
لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (114) . فإن اليوم في هذه الحياة مركب من سنين ،
وقد تقدم فيما مضى أن اليوم قد يكون سنة ، ويكون سبع سنين ، ويكون تسعًا
وأربعين سنة ، ويكون ثلاثة وثمانين سنة وثلاث سنين ، وهي ألف شهر ، ويكون
خمسمائة سنة ، ويكون سبعة آلاف سنة ، ويكون كألف سنة ، ويكون خمسين ألف
وأما المؤمنون أهل العلم فهم الصادقون الذاكرون ، الأحياء حقيقة في الدنيا
وفي الآخرة وفيما بينهما ، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا