فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 2809

ألا ترى أن الزرع ما كان على ساقه مخضرًا بعد لم يدرك البذر فهو لم يكمل

بعد ، يتغذى به الأنعام والحيوان في الأغلب ، وما من شأنه النقصان عن الكمال

الإنساني ، فإذا أدرك البذر فقد كمل وصار غذاء للإنسان ، والحبوب كلها والبذور

أجمعها كذلك ، وهي في حال نباتها أظهر في حال النبات ، وحال النبات أظهر في

صفة الحياة .

وقد توصف الحبوب والبذور ليبسها وعدم النشء فيها بالموت في سبيل

الاستعارة والمجاز وحال باطنها ليس كذلك ، بل هي يومئذٍ أعرق في صفة الحياة

منها في ذلك ؛ حينئذٍ صارت غذاء للإنسان معدة أن يكون بها ويحلق هو عنها .

ألا ترى أنها إذا جُعلت في مستقرها من الأرض فإذا جاءها الماء كيف تعود

إلى الإنبات والحياة الظاهرة ؛ كذلك الحيوان في الجنة ، كما له أن يكون طعمًا

للولي فيخلق الله تعالى منه أجزاء الولي فيكونه ، فيصير بعد رشحًا وعرقًا وجشاء

أطيب رائحة من المسك ، فيعود عند ذلك طيبًا له أيضًا ونعيمًا ، فليس إذًا على هذا

مأكولات الجنة يطرقها الموت ، وإن قطف ما هو منها تقطف أو شوي أو طبخ ما

هو منها يشوى أو يطبخ وأكل ، وطعِمَ من غير موت ولا عدم ، يحضر ذلك كله

بخلف الخالف ، ما نيل منها بغير زمان يحصل ، ثُمَّ يحيا بعد قضاء الوطر كالبذر

يكون عن النبات عن البذر .

وكحال الشهيد والمؤمن في البرزخ لا موت في ذلك من حيث يوصف

بالحياة ، هذا واعلم أن الدليل لا يقوم مقام المدلول عليه ، ولا ما هو آية على

المطلوب ليس مبلغ قوة وجود ما جعل آية عليه ، فافهم( وَالله يَقول الحَق وَهُوَ

يهْدي السَّبِيلَ ).

قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت