معه"وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق كل شيء فقدره تقديرًا ، المعنى ؛"
أعني: جملة العالم المتقدم ذكره في صدر هذا الكتاب ، المخلوق في لا مكان ولا
زمان ولا يحيط به ظرف ؛ إذ قد جاز المكان في وجوده والزمان والظرف
إنما يحيط به أمر الله قدرة وعلمًا ومشيئةً وإيجادًا وحفظًا إلى غير ذلك ، أوجده عبدًا
مربوبًا على صورته في أحسن تصوير وأكرم تقدير ، أسلك فيه معاني أسمائه
وصفاته ، وركبه على مقتضيات ذلك جملةً وتفصيلًا ، إلى ما هو الانتهاء إليه من
الحق الذي قدره ، كذلك خلق الإنسان ، وقد تقدم ذكر آدم - عليه السلام - وأبطن فيه علم
الأسماء ، ولم يكن ليجعل علم الأسماء في باطنه وأظهر الإنباء بها على ظاهره ، إلا
وقد خلقه بها ،
يقول الله - جلَّ من قائل: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ
نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) . فاتصل باطن العبد الجزئي
بظاهر الوجود ، ألا ترى كيف أنزل عليه كتابه ، وشرع له شرائعه على مقتضى ذلك ،
وباستعمال التفكر وترداد التذكر بواسطة التوسل إلى ممسك عصم الإصابة
والاستعانة بمالك الملك يستخرج من غيابات الفطر معرفة السر المكنون في العالم
الكلي ، فافهم فهمنا الله وإياك عنه ، إنه قريب مجبب .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقولوا للعنب: الكَرْم ، إنما الكرم قلب المؤمن".
ثم توجيه قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) بأنها القلوب هو ما
أنزله من أمره وشرعه لها في شرعته التي يسلك إليه عليها في سبيلها إليه