فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 2809

ثم قال وقوله الصدق: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أي: من قيامهم إلى

الحشر يوم البعث ، والنشور يوم الجمع ، يوم الفصل والعرض على الله والميزان

والصراط ، ووقوفهم قبل ذلك وفي حالتهم تلك إلى انفصال الأمر ، وافتراق الجمع

إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير ، فاستثني هذا المذكور من حكم

الخلود بعدما عمه باسم الخلود وحكمه ، وكون السَّمَاوَات والأرض والأمر على ما

هو عليه لا يخرج الجملة من حكم الخلود لولا الموت .

ولهذا كانت محاجة موسى آدم ؛ لأنهم كانوا يموتون فيها ، ويخرجون إليها

وينشأ الأمر بهم فيها إلى ما شاء الله ، ويكون كله خلود ، فهذه الدار إذًا أصدق الوعد

من دار الخلد ، وليست منها لأجل الموت المخرج لهم عنها .

قال الله - عز وجل -: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فسمي ليلًا من لدن

غروب الشمس إلى الصبح ، كما أضاف غبش الصباح في الصيام إلى النهار ، مع أنه

أضافه إلى الليل في حكم الصلاة ، فجعل صلاة الصبح جهرًا ، وإنما صلاة النهار

عجمًا .

فالعشاء والغبش برزخ من النهار والليل مزج الله فيهما الليل والنهار ، كذلك

البرزخ بين دار الدنيا ودار الآخرة ، مزج الله فيه يوم الدنيا ويوم الآخرة ، والاسم

الجامع لهما يوم الدنيا والآخرة ، كما الاسم الجامع النهار والليل ، ويجمع هذا وهذا

اسم اليوم ، فلأجل هذا متى غربت الشمس حصلنا في الليل ، وإذا طلع الفجر

حصلنا في النهار ، كذلك الدنيا مع الآخرة إذا مات أحدنا حصل في الآخرة ،

والآخرة هي دار الخلود ليس بعد ذلك إلا حكم البعث وما فيه ، ثم المنقلب منه إلى

أحد المحلتين مع تمحيص بعد تمحيص ، ثم يتحقق حكم الخلود( وَالله يَقول الحَقَّ

وَهُوَ يهْدي السَّبِيلَ).

فحكم يوم الدنيا هو ما دامت هذه الحياة ، فإذا مات أحدنا فقد دخل في معنى

الليل ، والليل هو مقدمة النهار من اليوم وهو اليوم الآخر ، وتلك دار الخلود ؛ إذ

اليوم يجمع الليل والنهار ، فإذا بعثنا فهو النهار ، والوقوف يوم الجمع بمنزلة غبش ما

بين الفجر وطلوع الشمس آية على التجلي العلي ، فلذلك سمي ما بعد الموت باسم

الخلود ، خالدين فيها إلا ما شاءه بين بعث وجمع بما في ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت