فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 2809

وعبَّر أيضًا عن حوالة الحال بقوله: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)

لما زلا عن الجنة وزهقا عن مقامهما فيها طارت عنهما حُلاهما

وتكشطت عنهما ملابسهما ، وفي هذا دليل على أنهما كانا لا يبولان ولا يتغوطان ؛

إذ لو كان ذلك لعري عنهما ما لم يعرَ قبل إلا بحلول العقوبة عليهما .

وأيضًا فليست الجنة دار إبطال وإفناء ، وإنما ذلك في هذه الدار والأثقال كلها

بطل وركز ، كيف وهي الدار التي لا تتنفس فيها جهنم بفيحها كهذه ، وإن كان وجود

الأركاس والأثقال هنا لأجل فيح جهنم - أعاذنا الله الكريم منها - إبطال وإفناء إيجاد ،

فجاء من مجموع هذا أنهما خلقا في الجنة ، وأن خروجهما منها زهق وزلل بحوالة

حالٍ حادثٍ عليهما ، كنزول من شرف إلى ضعة ومن خفض عيش إلى شقاوة كما

يبسط الله - جلَّ جلالُه - نعمته على عبده ، ثم يقبضها منه وكذلك آيات الله في الوجود .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"للجنة أقرب إلى أحدكم من شسح نعليه ، والنار كذلك".

وكما أن وجود الله أوجب لا محالة ولا مرية في ذلك في كل مكان نحن فيه ،

وعلى كل حال نحن نكون عليها ، وذلك غيب عنا وهو شاهد صادق الشهود ،

حاضر كريم الحضور حقيقة حتى أن المكذب بذلك جاحد للحقيقة ، خارج عن

الإيمان به ، كذلك وجود الجنة والنار حق دون مرية ولا ريب وجود حضور وقرب ،

وإن كان وجودهما غيبًا عنا .

وكذلك وجود الملائكة - صلوات الله عليهم أجمعين - وجود حق ، وإن كانوا

بمغيب عن مشاهدتنا وأدنى موجودات الجنة البشر كله لا ينقصهم مراد ، ولا

يعجزهم مطلوب ، ولا يتجشمون قطع مسافة إلا أن يكون لهم في ذلك تنعيم فييسر

عليهم كل تجشم مباعده النعيم .

آية ذلك: حضور ما يحدثه الله - جلَّ جلالُه - على أيدي رسله من المعجزات ، ويمنح

أوليائه من ضروب الكرامات ، وإن الدنيا لتنشأ بما هي عليه الآن إلى أن يتحقق ذلك

فيها بحلول اليوم الآخر فتكون الجنة والنار ، وعلى ذلك دلت الدنيا بسرائها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت