فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 2809

بقوله: (يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى(120) .

(مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ(20)

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) .

أنطق الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه العدو اللعين بما مآله تصديق ما قاله: إن

أكله من تلك الشجرة على ما كان عليه كان السبيل إلى بلوغه محل الخلة ونيله

الملك الدائم الذي لا يبلى .

وكان نهيه - عز وجل - إياهما برحمة ربه ، ومن رحمة ربه به - عليه السلام - أن جعل نهيه ذلك ،

عن أكل الشجرة سببًا إلى أن يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين في مستقبل الأمر ،

فكان فضل الله عليهما وعلى كثير من ولدهما منطويًا في كلامه الذي عبَّر عنه بحيث

بيَّنه وإن لم ينوِّه ولا أراده ، بل الله جل ثناؤه وله الحمد جعله لهما عاقبة لصبرهما ،

ومخرجًا من كربهما ، ويسرًا أنزله عليهما من عسر أمرهما ، بأن تاب عليهما وهداهما

فرفعهما إلى الجنة العليا ، وأحلهما محل الخلد في الملك السرمد الذي لا يبلى هذا

له ولذريته المؤمنين .

وإنما حاق سوء العاقبة بالعدو المبلس - لعنه الله - ومن اتبعه عافانا الله ،

فصدق الله جل ثناؤه عليهم ظنه كما أيأسه مما نواه في آدم - عليه السلام - ومن اقتدى بتوبته إلى

ربه لما نظر آدم - عليه السلام - بعشق الغفلة ، وحرص النفس على إنفاذها شهوتها مع الحرص

على تعجيل الملك الدائم ، والخلود الذي قرره العدو في نفسه نسي عهد ربه إليه ،

وأغفل موضع الفهم فيما طواه العدو - لعنه الله - عنه في قوله وما وصف به نفسه .

وظاهر ما أضافه إلى ربه - عز وجل - سبحانه من إقامته إياه مقام التهمة الذي سبحه

عنها كل شيء مصغيا إلى العوراء في ظاهر وسوسته ، غافلًا عن موضع الإعظام

والإجلال ، متدليًا إلى الخلاف على كره له كان إيمانه منازعًا إلى الترك ، مغلوبًا عليه

في إنفاذ المقدور .

قال الله - جلَّ جلالُه - معبرًا عن وصف هذه الحال: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ(21)

ولم يقل:"أقسم لهما"بل أخرج ذلك على وزان المفاعلة عبارة عن

وجود المراجعة لمقام الكراهة منه ، والمشايعة لإنفاد المقدور ومناوشة النزوع

والهرب لأجل الإيمان الموجود في نفسه ، وعظمة الله في قلبه . انتهى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت