فكان ذلك إنباء من الله تعالى إياه عما يكون ، وظهر ذلك بعد المائتين ، بل من
أول ظهور الدولة العباسية واستعمالهم الخراسانيين والترك والديلم والأحباش
القاطنة فيما هنالك ، وأمَّا السر نفسه فلا يثلم إلا عند مجيء الوعد ؛ ولذلك ما
قال مقدار فتح ذلك الروم ، وذكره بالفتح ؛ لأن استعمالهم كان فتحًا بوجه ما لما
تولت العرب جاء الله بأولئك كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا
يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) .
وكان قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ويل للعرب من شر قد اقترب"إنذارًا لهم
بتوليهم ، ويصير الأمر والجهاد إلى سواهم ، وإخبارًا منه أيضًا عن وقت التقدير ، فإنه
يتقدم الكون ، وكان تقدير ذلك تلك الليلة لقوله فتح الليلة ، والله أعلم بما ينزل ،
فكذلك قول الله جل ذكره: (غُلِبَتِ الرُّومُ) هو إخبار وبشارة منه عن
التقدير المقدر لظهور الكائن ، فكان ذلك زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غلبهم على
بلاد الشام واستخرج بيت المقدس عن أيديهم .
وقال: (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ) والبضع من الثلاث إلى التسع ، وكان نزول هذه
السورة بمكة ، فكان ذلك في داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان
وعشرين سنة ، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتسع ويتصل إلى نهاية سبقت في التقدير .
ثم قال عز من قائل: (وَهُمْ) يعني: الروم (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)
أي: أنهم غلبوا ثم هم يغلبون ومن بعد غلبهم هذا سيغلبون ؛ أي: أنهم
إذا غلبوا يُغلبون ثم يَغلبون ، فأخبر عن حكم دوائر حكم التقدير أن لهم غلبتين ولنا
غلبتان سوى الغلبة الأولى منهم لنا في تلك الأرض هي المقابلة لغلبة الصحابة