(فصل)
إن الله - جلَّ جلالُه - قبل أن يخلق خلقه لم يزل عالمًا بهم بصيرًا سميعًا لهم وكانوا عدمًا
من حيث هم وإن كان لهم وجود من حيث هو عالمهم ومسببهم إذا شاء ، ولما
أوجدهم للميثاق وأخذ العهد عليهم وإشهادهم أنفسهم كان لهم وجود من حيث
هم ، ثم لما أعدمهم وأصارهم في خزائن السماوات والأرض ذواتًا وأرواحًا باتباع
ذلك كانوا غيبًا عن أنفسهم ووجودًا ما في مستقرهم من الخزائن في غيب
السماوات والأرض ، ثُمَّ لما أوجدهم الآن ظهروا بذلك لأنفسهم وظهر بعضهم
لبعض ، وكمل في ذلك وجودهم المطابق للمراد بهم ومنهم وعلى قدر هذه الدار
من الدار الآخرة ، ثم هم إذا أماتهم كانوا غيبًا في حق من لم يلحق بهم بالموت ،
وكان لهم وجود لأنفسهم وظهور لها ولمن لحق بهم ، ثم في الإحياء الآخر
والإيجاد المستقبل يكمل الوجود والظهور للمراد بهم وفيهم ، ووصف الله - تبارك
وتعالى - ما غاب عنا أنه قد صار إليه .
قال الله - عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) هذا حاله منذ ظهور
الفجر إلى طلوع الشمس ، يقول الله جل ذكره: (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) يعني: وهو
أعلم الظل المذكور ، ثم قال - عز من قائل: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)
لو كان الليل ساكنًا لكان المعهود ، والمعهود لا يعرف له غير حال
بقائه إلا بدليل يدل عليه وآية تعرف به ، فاستاق ذكر إطلاعه الشمس دلالة على
الظل أن لو كان ساكنًا كما فرضه عرض بذلك إلى الإعلام بفوائد الدلالات ومنافع
التفصيل ، ولما أطلع الشمس مد الظل مدًا آخر .
يقول - جل من قائل: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) . فأخبر -
جل ذكره - بصدق حديثه أن المعدوم ليس بمعدوم على الحقيقة ، بل يصير إليه
كذلك ، أخبر عن الملائكة بأنهم عنده ، وعن الشهداء أنهم عنده ، ويقال في
المؤمنين: إنهم صاروا إلى ربهم وإذا مات أحدنا قالوا: صار إلى اللَّه وما فعل ذلك
حتى لقي الله ، ويقال في الكفار: إنهم أفضوا إلى ما قدموا ، وقال الله - جل من قائل
-في العموم: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) .
قول الله - جلَّ جلالُه -: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وذكر الرجوع إلى الله كثير في