فهرس الكتاب

الصفحة 2278 من 2809

(فصل)

إن الله - جلَّ جلالُه - قبل أن يخلق خلقه لم يزل عالمًا بهم بصيرًا سميعًا لهم وكانوا عدمًا

من حيث هم وإن كان لهم وجود من حيث هو عالمهم ومسببهم إذا شاء ، ولما

أوجدهم للميثاق وأخذ العهد عليهم وإشهادهم أنفسهم كان لهم وجود من حيث

هم ، ثم لما أعدمهم وأصارهم في خزائن السماوات والأرض ذواتًا وأرواحًا باتباع

ذلك كانوا غيبًا عن أنفسهم ووجودًا ما في مستقرهم من الخزائن في غيب

السماوات والأرض ، ثُمَّ لما أوجدهم الآن ظهروا بذلك لأنفسهم وظهر بعضهم

لبعض ، وكمل في ذلك وجودهم المطابق للمراد بهم ومنهم وعلى قدر هذه الدار

من الدار الآخرة ، ثم هم إذا أماتهم كانوا غيبًا في حق من لم يلحق بهم بالموت ،

وكان لهم وجود لأنفسهم وظهور لها ولمن لحق بهم ، ثم في الإحياء الآخر

والإيجاد المستقبل يكمل الوجود والظهور للمراد بهم وفيهم ، ووصف الله - تبارك

وتعالى - ما غاب عنا أنه قد صار إليه .

قال الله - عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) هذا حاله منذ ظهور

الفجر إلى طلوع الشمس ، يقول الله جل ذكره: (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) يعني: وهو

أعلم الظل المذكور ، ثم قال - عز من قائل: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)

لو كان الليل ساكنًا لكان المعهود ، والمعهود لا يعرف له غير حال

بقائه إلا بدليل يدل عليه وآية تعرف به ، فاستاق ذكر إطلاعه الشمس دلالة على

الظل أن لو كان ساكنًا كما فرضه عرض بذلك إلى الإعلام بفوائد الدلالات ومنافع

التفصيل ، ولما أطلع الشمس مد الظل مدًا آخر .

يقول - جل من قائل: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) . فأخبر -

جل ذكره - بصدق حديثه أن المعدوم ليس بمعدوم على الحقيقة ، بل يصير إليه

كذلك ، أخبر عن الملائكة بأنهم عنده ، وعن الشهداء أنهم عنده ، ويقال في

المؤمنين: إنهم صاروا إلى ربهم وإذا مات أحدنا قالوا: صار إلى اللَّه وما فعل ذلك

حتى لقي الله ، ويقال في الكفار: إنهم أفضوا إلى ما قدموا ، وقال الله - جل من قائل

-في العموم: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) .

قول الله - جلَّ جلالُه -: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وذكر الرجوع إلى الله كثير في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت