فهرس الكتاب

الصفحة 2279 من 2809

القرآن هو لما قد تقدم ذكره أنهم كانوا في وجوده علمًا وقدرة ومشيئة ، فكانوا بذلك

موجودين عنده وله ، كما قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا

مَذْكُورًا (1) . أي: لسوى الله وإلا فالله عالم به ذاكر له في أزله وبما يخرجه

إله وما يأوله إليه ، فلما أظهرهم صاروا بذلك موجودين . لأنفسهم ، وظهر بعضهم

لبعض ، ثم أوجدهم لأخذ الميثاق عليهم ، ثم أعدمهم عنهم وبثهم في الخزائن ، ثم

أظهر هذا الإظهار بهذه الحياة الدنيا ، فإذا أماتهم أرجعهم إلى كونهم في الخزائن ،

وذلك إرجاع منه إياهم إليه - عز جلاله - منه كان بدؤهم وإليه عودهم ، فهذا

إرجاع حق .

كما قال فيما خلق من الأرض: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) فيها ؛ أي: في

إظهاره إيانا اليوم (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) أي: بعد الموت حال البلاء(وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ

تَارَةً أُخْرَى)فكذلك دائرة الإرجاع إليه منه كان البدء وإليه العود ، وعلى

هذا السبيل من النظر لا بد إذًا من لقاء الله - جل ذكره - كما لا بد من الموت ، كما

لا بد من الإحياء في الدار الآخرة (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) .

آية ذلك: وجود علم الفطرة فينا ومعرفة الحياة ، ذلك لأنا كنا فيما هو موصوف

بالعلم والقدرة والمشيئة والأسماء والصفات ، ألا ترى أن أحدًا لا يتعلم ، بل يتذكر

أو يتفكر بتذكر فيذكر ويتفكر فيبصر ما قد غاب عنه بالسهو والغفلة والنسيان ، فلا

بد من لقاء الله والرجوع إليه حق ، نسأل الله أن يجعل لنا في ذلك كل يسر وخير

وكرامة بمنِّه وفضله العظيم .

كأنما ابن آدم قد شاهد كل مذكور ومعلوم ، ثم أنسيه لكونه مخبرنا في خزائن

السَّمَاوَات والأرض ، ثم في إنشائه نباتًا ، ثم نطفة في البطن ، ثم في إخراجه طفلًا ،

فلما عقل تفكر ، فإذا هو يتذكر كل ما عهده قبل ، وعرف كل ما شاهده في البدء

الأول ، إن ربنا لعليم حكيم ، ما أعجب هذا من شأن ، فقوله جل ذكره:(وَالسَّمَاوَاتُ

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ).

(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا) أي: الأرضون كلها (قَبْضَتُهُ) يوم القيامة ؛

يعني وهو أعلم بما ينزل: أن ذلك حال كونهن معدومات ، وقد بدلت الأرض غير

الأرض والسَّمَاوَات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت