القرآن هو لما قد تقدم ذكره أنهم كانوا في وجوده علمًا وقدرة ومشيئة ، فكانوا بذلك
موجودين عنده وله ، كما قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا (1) . أي: لسوى الله وإلا فالله عالم به ذاكر له في أزله وبما يخرجه
إله وما يأوله إليه ، فلما أظهرهم صاروا بذلك موجودين . لأنفسهم ، وظهر بعضهم
لبعض ، ثم أوجدهم لأخذ الميثاق عليهم ، ثم أعدمهم عنهم وبثهم في الخزائن ، ثم
أظهر هذا الإظهار بهذه الحياة الدنيا ، فإذا أماتهم أرجعهم إلى كونهم في الخزائن ،
وذلك إرجاع منه إياهم إليه - عز جلاله - منه كان بدؤهم وإليه عودهم ، فهذا
إرجاع حق .
كما قال فيما خلق من الأرض: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) فيها ؛ أي: في
إظهاره إيانا اليوم (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) أي: بعد الموت حال البلاء(وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
تَارَةً أُخْرَى)فكذلك دائرة الإرجاع إليه منه كان البدء وإليه العود ، وعلى
هذا السبيل من النظر لا بد إذًا من لقاء الله - جل ذكره - كما لا بد من الموت ، كما
لا بد من الإحياء في الدار الآخرة (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) .
آية ذلك: وجود علم الفطرة فينا ومعرفة الحياة ، ذلك لأنا كنا فيما هو موصوف
بالعلم والقدرة والمشيئة والأسماء والصفات ، ألا ترى أن أحدًا لا يتعلم ، بل يتذكر
أو يتفكر بتذكر فيذكر ويتفكر فيبصر ما قد غاب عنه بالسهو والغفلة والنسيان ، فلا
بد من لقاء الله والرجوع إليه حق ، نسأل الله أن يجعل لنا في ذلك كل يسر وخير
وكرامة بمنِّه وفضله العظيم .
كأنما ابن آدم قد شاهد كل مذكور ومعلوم ، ثم أنسيه لكونه مخبرنا في خزائن
السَّمَاوَات والأرض ، ثم في إنشائه نباتًا ، ثم نطفة في البطن ، ثم في إخراجه طفلًا ،
فلما عقل تفكر ، فإذا هو يتذكر كل ما عهده قبل ، وعرف كل ما شاهده في البدء
الأول ، إن ربنا لعليم حكيم ، ما أعجب هذا من شأن ، فقوله جل ذكره:(وَالسَّمَاوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ).
(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا) أي: الأرضون كلها (قَبْضَتُهُ) يوم القيامة ؛
يعني وهو أعلم بما ينزل: أن ذلك حال كونهن معدومات ، وقد بدلت الأرض غير
الأرض والسَّمَاوَات .