فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 2809

الابتلاء بالأمر والنهي ، بل نهاه أن يأكل الشجرة ، وأمره ألا يقربها ، فواقع المحذور

بالقدر السابق ، فأخرجه منها وسجنه في هذه الدنيا ، وقيده عن الكون حيث شاء إلا

بقطع المسافات وتجشم المشقات بمزاولة الترحال في تقرب أبعاد الأسفار .

فهذه دار سجن المؤمن ، موضوعها: أن يكون سجنًا للعاصين سجَّانها العدو

المكائد إبليس - لعنه الله - وأتباعه من الجن والإنس أعوانه ومَسَالحه لا يسألونه

خبالًا وإضلالًا مما جرَّ إلى ذلك ، وما كان جزاء له من المكروهات والمصائب

والفجائع ، وتلك عمالة أقطعه إياها خالقه ومالكه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه إلى

يوم الوقت المعلوم ، إن الله جعله وأشياعه سببًا وذريعة إلى كل مكروه يكون في

الدارين ، وفيما بينهما في هذه بالفعل والكسب ، وفيما هنالك جزاء ، لكن الرؤوف

الرحيم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من وراء عباده المؤمنين يحسن تدبيره لهم ، يصير

لهم كل مكروه يصيبهم كفارة من ذنوبهم ، وكل عمل له رفعه في درجاتهم ،

فمن أعجب العجب عدو محبوب وغاش مركن إليه وسجن مؤمل محروص

عليه ، ولقد وصى عباده بأبلغ الوصية ألا يركنوا إلى هذا السجن ، وألا يخلدوا إليه

لموضع العقوبة التي بها عاقبهم ، وألا يصغوا إلى نداء عدوهم بهوى لو يرضوا

لأنفسهم بالتي هي أدنى ، وأن الدواب لتحن إلى أواريها ، وإن الإبل لتنقطع إلى

معاطنها .

(بيان)

سبق من حكمة الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه تحبيب الأوطان والحنين إلى

محل الكون ، ومنبعث ذلك الوجود ولما أراده في إتمام كلمته في البلوى ، وإمرار

حكمه بالجزاء لقوم ، وإتمام نعمته بالتنبيه لأوليائه ، أسس هذه التي عاقبهم باللبث

فيها والحلول في بعد سجنها على مقتضيات أسمائه الحسنى وصفاته العلا ،

وأوجدها جمعًا على معاني موجودات الدار التي أخرجهم عنها ، المفضية إلى الدار

الآخرة ثوابًا وعقابًا ، صيَّر ذلك فيما هَاهُنَا ذكرًا وفتنة .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38) مَا خَلَقْنَاهُمَا

إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) . فأوجب لكل فريق ما كان

عنه ، وما خلق به ومنه ، وحنَّ إلى الوطن الذي خرج عنه ، فمخطئ في محبته

ومصيب لأجل الابتلاء والمحنة المعارض لهم في السبيل المسلوك بهم إليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت