الابتلاء بالأمر والنهي ، بل نهاه أن يأكل الشجرة ، وأمره ألا يقربها ، فواقع المحذور
بالقدر السابق ، فأخرجه منها وسجنه في هذه الدنيا ، وقيده عن الكون حيث شاء إلا
بقطع المسافات وتجشم المشقات بمزاولة الترحال في تقرب أبعاد الأسفار .
فهذه دار سجن المؤمن ، موضوعها: أن يكون سجنًا للعاصين سجَّانها العدو
المكائد إبليس - لعنه الله - وأتباعه من الجن والإنس أعوانه ومَسَالحه لا يسألونه
خبالًا وإضلالًا مما جرَّ إلى ذلك ، وما كان جزاء له من المكروهات والمصائب
والفجائع ، وتلك عمالة أقطعه إياها خالقه ومالكه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه إلى
يوم الوقت المعلوم ، إن الله جعله وأشياعه سببًا وذريعة إلى كل مكروه يكون في
الدارين ، وفيما بينهما في هذه بالفعل والكسب ، وفيما هنالك جزاء ، لكن الرؤوف
الرحيم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من وراء عباده المؤمنين يحسن تدبيره لهم ، يصير
لهم كل مكروه يصيبهم كفارة من ذنوبهم ، وكل عمل له رفعه في درجاتهم ،
فمن أعجب العجب عدو محبوب وغاش مركن إليه وسجن مؤمل محروص
عليه ، ولقد وصى عباده بأبلغ الوصية ألا يركنوا إلى هذا السجن ، وألا يخلدوا إليه
لموضع العقوبة التي بها عاقبهم ، وألا يصغوا إلى نداء عدوهم بهوى لو يرضوا
لأنفسهم بالتي هي أدنى ، وأن الدواب لتحن إلى أواريها ، وإن الإبل لتنقطع إلى
معاطنها .
(بيان)
سبق من حكمة الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه تحبيب الأوطان والحنين إلى
محل الكون ، ومنبعث ذلك الوجود ولما أراده في إتمام كلمته في البلوى ، وإمرار
حكمه بالجزاء لقوم ، وإتمام نعمته بالتنبيه لأوليائه ، أسس هذه التي عاقبهم باللبث
فيها والحلول في بعد سجنها على مقتضيات أسمائه الحسنى وصفاته العلا ،
وأوجدها جمعًا على معاني موجودات الدار التي أخرجهم عنها ، المفضية إلى الدار
الآخرة ثوابًا وعقابًا ، صيَّر ذلك فيما هَاهُنَا ذكرًا وفتنة .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38) مَا خَلَقْنَاهُمَا
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) . فأوجب لكل فريق ما كان
عنه ، وما خلق به ومنه ، وحنَّ إلى الوطن الذي خرج عنه ، فمخطئ في محبته
ومصيب لأجل الابتلاء والمحنة المعارض لهم في السبيل المسلوك بهم إليها .