فأما أهل الفتنة وهم المخطئون لما تألفت لهم شهواتها فأنسوا بها من أجل
لمعان نيرانها ؛ إذ أشبهت تلك الدار في معالم وافقت أسماءها وأومأت في ذلك إلى
أشباهها ، فخدعتهم بزينتها وأحبوها لذلك ، ورضوا بها عجبًا بها(وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)ا.
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) .
فكان ذلك حظهم من المقصود الحق ، فأما أهل الذكر فشاهدوا فيما هنا أشباه
ما هنالك ، تعرفوا منها أسماء وصفات للحق المبين فذكروا تلك بهذه ، وتشوقوا
إليها لأجل هذه .
منازلًا كت تهواها وتألفها ... أيام كنت على الأيام منصورًا
آخر:
وإني لأهوى الدار لا يستفزني ... لها الود إلا أنها من دياركا
فزهدوا في هذه لوشيك ذهابها وسرعة تقلبها بأهلها ، ولما أعلمهم النصوح
الحق الصدوق جلَّ ذكره من سعة تلك وعظمها ، وضيق هذه وصغرها فأخذوا
أبصارهم عند ذلك في النظر إلى البون في فضل الدارين .
فما وقعت أعينهم ولا توهمت أوهامهم سوى معاني أسمائه وصفاته في هذه ،
وتيقنوا بذلك أيضًا بوجود العلم ما أومأت إليه هذه بشبه لما هنالك ، وإن ما أومأت
إليه ونبهت عليه ، يدعوهم بذلك إلى نفسها ويشوقهم إليها ، ويزهدهم في قليل هذه
الفاني المنغص الكدر ، قد أسلك هذا كله في تلك سلوك الأرواح في الأجسام ،
وأحلها منها محل الأعراض من الجواهر ، فجميع موجوداتها في حقهم ومواقع
أبصارهم تسبح خالقها وتقنت لعظمة موجدها .
ثم أيدهم جلَّ ذكره على مراشدهم ، بأن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ،
ينبئهم على مراشدهم ، ويبصرهم لذلك حقائق مقاصدهم ، فأنبأهم بما جهلوه ،
وأعلمهم من غيابات ما هنالك ما لم يعلموه ، وأوعدهم مع ذلك في تلك بالعقبى ،
وضمن لهم حسن العقبى ، فتشوفوا إلى ما هناك وعشقوها وآثروها ، وسلوا عن هذه