فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 2809

فأما أهل الفتنة وهم المخطئون لما تألفت لهم شهواتها فأنسوا بها من أجل

لمعان نيرانها ؛ إذ أشبهت تلك الدار في معالم وافقت أسماءها وأومأت في ذلك إلى

أشباهها ، فخدعتهم بزينتها وأحبوها لذلك ، ورضوا بها عجبًا بها(وَزَيَّنَ لَهُمُ

الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)ا.

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ

وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) .

فكان ذلك حظهم من المقصود الحق ، فأما أهل الذكر فشاهدوا فيما هنا أشباه

ما هنالك ، تعرفوا منها أسماء وصفات للحق المبين فذكروا تلك بهذه ، وتشوقوا

إليها لأجل هذه .

منازلًا كت تهواها وتألفها ... أيام كنت على الأيام منصورًا

آخر:

وإني لأهوى الدار لا يستفزني ... لها الود إلا أنها من دياركا

فزهدوا في هذه لوشيك ذهابها وسرعة تقلبها بأهلها ، ولما أعلمهم النصوح

الحق الصدوق جلَّ ذكره من سعة تلك وعظمها ، وضيق هذه وصغرها فأخذوا

أبصارهم عند ذلك في النظر إلى البون في فضل الدارين .

فما وقعت أعينهم ولا توهمت أوهامهم سوى معاني أسمائه وصفاته في هذه ،

وتيقنوا بذلك أيضًا بوجود العلم ما أومأت إليه هذه بشبه لما هنالك ، وإن ما أومأت

إليه ونبهت عليه ، يدعوهم بذلك إلى نفسها ويشوقهم إليها ، ويزهدهم في قليل هذه

الفاني المنغص الكدر ، قد أسلك هذا كله في تلك سلوك الأرواح في الأجسام ،

وأحلها منها محل الأعراض من الجواهر ، فجميع موجوداتها في حقهم ومواقع

أبصارهم تسبح خالقها وتقنت لعظمة موجدها .

ثم أيدهم جلَّ ذكره على مراشدهم ، بأن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ،

ينبئهم على مراشدهم ، ويبصرهم لذلك حقائق مقاصدهم ، فأنبأهم بما جهلوه ،

وأعلمهم من غيابات ما هنالك ما لم يعلموه ، وأوعدهم مع ذلك في تلك بالعقبى ،

وضمن لهم حسن العقبى ، فتشوفوا إلى ما هناك وعشقوها وآثروها ، وسلوا عن هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت