افتعلت حقيقة الذكر من حقيقة ذاتي وقرارة نفي.
والذكر ذكران كما تقدم من الكلام في التقوى والعلم وجميع معاني العبد،
فذكر أدنى: وهو ذكر العموم من المؤمنين، وذكر أعلى: وهو خاص للمخصوص
من عباد الله جلَّ ذكره، وهو الذكر الكبير، ثم جملة الذكر توجد في مَوطين، ذكر
عند الطاعة، وذكر عند المعصية.
فالأول: عنه تكون المحبة، ومنه منبعثها.
والثاني: تكون عنه الخشية، وهو ينبوعها.
قال الله عز من قائل: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) أي: جنة
لغلبة هواه وكسر شهوته، وجنة لطاعة ربه، وقد جاء الوعد بالجزاء على الذكر مما
هو خارج عن المعقول حتى ينحصر المعتقد فيه إلى التسليم لوعد الله جلَّ ذكره،
وتصديق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكر - جلَّ جلالُه - أكبر جزاء مما لا غاية له تنحصر ولا نهاية تبلغ.
يقول الله جلَّ ذكره:"إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني"
في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير من ملئه وأطيب"فذكر الله أكبر الأعمال على كل وجه،"
والله - جلَّ جلالُه - ذاكر عبده ليذكره، فإذا ذكره العبد ذكره أيضًا بجزاء ما ذكره.
(فصل)
الذكر بما هو مقتضى حضور المذكور لا بد ولا محالة، فإذا كان المذكور من
يغيبه البعد ويعدمه الفقد، ويمنعه الحجاب ويحده المكان، ويقيده المسافات
ويجرى عليه أحكام المحدثين، فحضوره كل الذكر معنى لعينه، وحقيقه حق
لوجود نفسه، يتأدى ذلك المعنى بما يتأدى به عينه مع الحضور، تلتبس تلك
الحقيقة بما تلتبس به نفسه.
وكما تقدم من القول: إنه لكل حق حقيقة، ولكل عين معنى؛ لذلك كان الجزاء
عليه أن يطعم المغتاب لحم المظلوم بالغيبة فيأكله الظالم، وكما لا يحضر العين
موضع الغيبة قال الله جل من قائل: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) نصب