فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 2809

على حال من الأكل بعد الموت، وتجعل له الكراهة لذلك المأكول أضعاف ما كان

يجده في الدنيا لو أكله جزاء يتلذذه بالغيبة، لذلك قال عز من قائل: (فَكَرِهْتُمُوهُ)

أي: فإنكم في تلك الحال أشد كراهة.

وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - في الرجل يجد الطنين في أذنه

يأمره بأن يقول:"اللهم اذكر بخير من ذكرني".

ولهذا شواهد تزد على ما ذكرناه منع من اجتلابها خشية التطويل، فإنما يلقى

الرشاد من وُقي العناد، وإن كان المذكور من لا يغيبه البعد ولا يجوز عليه وصفه

العدم فيفقده، ولا يمنعه حجاب، ولا يحويه مكان، ولا يشتمل عليه زمان، ولا

يجوز غيبته بوجه، ولا يتصف بحوالات المحدثين، ولا تجري عليه أحكام

المخلوقين، فهو حاضر عينًا ومعنى، وشاهد سرا ونجوى، إذ هو القريب من كل

شيء، أقرب إلى الذاكر له من نفسه من حيث الإيجاد له والعلم به، والمشيئة فيه

والتدبير له، والقيام عليه والحضور كله بجميع وجوهه بحضوره ذكر الذاكر له،

وهذا بعد اعتقاد نيات حضور الوجود واستحالة الغيبة والبعد.

قال الله - جلَّ جلالُه:(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ

إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ).

وكذلك قوله جل قوله:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ

إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ).

والنصوص على هذا كثيرة تُعلم بالحضور منه والمشاهدة، سبحانه وله الحمد،

خلق الخليقة فلا تلحقه أوصافها، وأوجد الأعداد فلا تحصره معانيها، فهو في كل

مكان ومع كل شيء بوصفه لا يعدو عليه خلقه، ولا يحيله عما لم يزل عليه عبده،

ولا يكون هكذا غيره.

(فصل)

أنفع الأذكار ذكر القلب، ثم أنفع ذكر القلب ما آثاره خاص العلم وعَليّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت