مسائل عيبت عليه فأخرجها على ما تحتمله من التأويل فانفصل عن أكثر من النقد ،
وقال أبو الحَكم:
والله لا عشق ولا عاشق ... الذي أشخص بعد موتي
يعني: السلطان ، فمات أبو الحكم فأمر السلطان أن يطرح على المزبلة ولا
يصلح عليه ، وقلد فيه من تكلم فيه من الفقهاء ، فدخل على أن حرزهم رجل أسود
كان يخدمه ويحضر مجلسه ، فأخذ أبو الحسن بما أقر به السلطان في شأن أبي
الحكم ، فقال له أبو الحسن: إن كنت تبيع نفسك من الله ، فافعل ما أقول لك ، فقال
له: أمرني بما شئت أفعله ، فقال له: تنادي في أسواق مراكش وطرقها: يقول لكم ابن
حرزهم: أحضروا حياة الشيخ الفاضل الفقير الزاهد أبي الحكم بن برجان ، ومن قدر
على حضورها ولم يحضر فعليه لعنة الله ؛ ففعل ما أمره به ، فبلغ ذلك السلطان ،
فقال: من عرف فضله ولم يحضر جنازته ، فعليه لعنة الله .
وقال أيضًا عبد الملك في"ذيل تاريخ ابن شكوال": سعى عليه سعاية باطلة
عند على بن يوسف بن تاشفين ، فأحضره إلى مراكش ، فلما وصل إليها قال له: لا
أعيش إلا قليلًا ولا يعيش الذي أحضرني بعدي إلا قليلًا فعقد مجلس مناظرة
وأوردوا عليه المسائل التي أنكروها فأجاب ، وخرّجها مخارج محتملة مقبولة فلم
يقنعوا منه بذلك ؛ لأنهم لم يفهموا مقاصده ، وقرروا عند السلطان أنه مبتدع ، فحبسه
فمرض بعد أيام قليلة ، ومات في الحبس سنة 536 هـ .
ومات علي بن يوسف بعده في رجب سنة 537 هـ ولما قيل له إنه مات ، أمر أن
يطرح على مزبلة بغير صلاة عليه ، وألّا يدفن بحسب ما قرره معه من طعن عليه من
المتفيقهة ، فاتفق أن بعض أهل الفضل لما بلغه وفاته أرسل عبدًا أسود نادى في جهارًا
في الأسواق: احضروا جنازة فلان ؛ فامتلأت الرحاب من الناس وضاقت البلد عنهم ،
فغسلوه وصلوا عليه ودفنوه ، ولم يستطع السلطان وأعوانه ومتفقهته أن يفعلوا شيئا .
وقد دُفن في شهر محرم 536 هـ / أغسطس 1141 م وقبره الشريف مشهور في
"مراكش"ويعرف بسيدي برَّجان ، ويقع ضريحه في رحابة الحنطة القديمة .