الكتاب والرسل بحقيقة ما شاهدوه في الخلقة ، وحين بلغت شهادة البهائم إلى
أن اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وأنه لا إله غيره ، وأنه - جلَّ جلالُه - مرسل الرسل ومنزل الكتب فشهدوا
بالحق ، وهم يعلمون شفعهم في أنفسهم واستجاب دعاهم عند ذلك .
فكما أدخلهم في أول محال الإسلام شهادتهم ، وبوأهم أولى الإيمان بإخلاص
القلب بها أدخلهم - جلَّ جلالُه - في ولاية بمعرفتها من أفعالهم ، وجعلهم من خاصته لما
يلقوا سماعها من دعائه ، واسستعملهم بمقتضى ذلك على سنن رسله وكتبه ، فافهم
بلغ الله بنا وبك ورحمنا وإياك وعلمنا من علمه ، واستعملنا به وأسمعنا عنه ، فإنا لا
نقدر على ذلك إلا به وحده لا شريك له .
(فصل)
إذا كان النظر في أبعاض الوجود الكلي فإن أول موجود العقل من العلم ،
وجود صانع الصنعة وفاعل الفعل كما تقدم ، ولا يشبه الصنعة صانعها في الشاهد ،
ألا ترى أن الكتابة لا تشبه كاتبها ، والضرب لا يشبه ضاربه ، وكذلك البناء والحياكة
وغير ذلك من ضروب المفعولات ، بل غاية كمال المفعول الجزئي أن يكون بعضًا
للمفعول الكلي ، وأن يشبه فاعله الأدنى ، أعني: مكتسبه في أنه جزئي .
(فصل)
ليس من أفعال الفاعل الأدنى - وهو الفاعل المسخر - شيء يشبهه إلا ما كان
على سبيل النبوة حسب ، وهو مفعوله الكلي بالإضافة إليه ، وليس هو الفاعل حقيقة ،
بل بوساطة وحكم شيء عن أمر محكم نازل من حكيم عليم (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) . وهو آية على مفعول الفاعل لا
على مفعوله الكلي ، لأنه - عز وجل - خلقه بالحق والحق أوجده ، وله المثل الأعلى وهو
العزير الحكيم .
(فصل)
من المفعولات الجزئيات ما هو فعل الفاعل الأعلى جل وتعالى ، وهي
الأرضون والسماوات والأفلاك والكواكب ، وما بين ذلك من المخلوقات ، وما سفل