فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 2809

من تعرف خلقة الأرض ، وأنها على الماء راكدة لا ترسب في الماء لثقلها وثقل ما

يحمله ، كالمعهود من رسوب أقل الثقل في الماء ، بل زاد الفلك بجريها في لجج

البحار بأمره بواسطة الريح ، فتراها تنخر الماء مخرًا ، فتعبر البحار اللجج الطوامس

عبرًا ، وتلك آية على وجود حق في الدار الآخرة ، أما النجاة والعبور والجري على

أمانه فلأوليائه .

وأما الإهلاك والإغراق والأخذ المكتسب لا محالة فلأعدائه ؛ لذلك ما امتن

-جلَّ جلالُه - بإنجائهم وجريها - أعني: الفلك - برحمته ، وأوعد تعريضًا بالإهلاك والإيقاع

بالغرق ، وأخدهم بما كسبوا تنبيهًا على ما هنالك: فإنهم [يضطرهم] إلى ركوب سفن

نار جهنم تجري في بحار الحميم والغساق والغسلين إلى حيث شاء من ذلك بهم ،

ثم نغرقهم فيها بأخذهم في ذلك بنوع من كسبهم السيئات في دار الدنيا .

يقول الله - عز وجل -: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) أي: ظهر

البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي: على بلوى هذه وامتحانها (شَكُورٍ)

لنعماء الله وجزيل أياديه .

ثم قال عز من قائل: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) .

وقال الله جل من قائل: (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ) كذلك يغرقهم

في الآخرة بما كسبوا .

آية ذلك: سوقه أهل الدنيا بأطماع الأرباح وحب قضاء الحاجات إلى ركوبها

في البحار ، فربما أنجاهم بفضله ، وربما أخذهم بما كسبوا ، وركبها آخرون غزاة في

سبيله وابتغاء مرضاته من حج وصلة وغير ذلك ، وربما أغرقهم بها فيجعلها لهم

شهادة يكرمهم بها فيما هنالك ، فإنه من قتله في الدنيا بما تقتل من كفر وهو مؤمن

جعل له ذلك شهادة .

قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله"فذكرهم وزاد

عليهم في رواية أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت