فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 2809

وقال تعالى: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4) .

وقال جل قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ )

إلى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) .

سبحانه - جلَّ جلالُه - وله الحمد ، أحسن تقديره وأتقن تركيبه ، وقسَّم أجزاءه ورتب

أعضاءه ، وأحكم تدبيره فأبدع تصويره وصنعه بشرًا ، وشق له سمعا وبصرًا ، وجعل

له يدين ورجلين وظهرا ووركين وبطنًا وجنبين ولسانًا وشفتين ، ثم هداه النجدين .

وهذه كلها أعضاء مركبة لضروب المنافع لا غناء له عنها ، ولا حياة له إلا بها ،

وهي كلها من جهات الافتقار والحدث ؛ إذ القديم - جلَّ جلالُه - ليس بمعمر إليها ولا إلى

شيء غيرها ، والمنافع والمضار لا تجوز عليه من حيث هي صفات نقص وفقر

وعجز .

كذلك هيَّأ له آلات لقبول الغذاء الذي يكون به حيالَه وبقاه ، وجعل - جلَّ جلالُه - لغذائه

بلطيف حكمته وعلي قدرته موالج ومسالك ومنافذ ومحابس ومخارج ، ثم نفخ فيه

الروح وألزمه الحركة والسكون ، وجعل الرحم مسكنه والبطن منزله بحيث توارى

عن العيون ؛ وخفى عن الظنون ، مطبقا عليه في مضايق الأمعاء وظلم الأحشاء ،

مغشي الوجه بالسابياء ، فقل كيف خفي على ما هو فيه من ضنك المحل الذي لو رد

إليه بعد خروجه عنه لعاجله الهلاك قبل الاستقرار فيه .

آية جعلها - عز وجل - على الحياة في القبر ؛ إذ مدة الكون في البطن برزخ بين الموت

الأول وبين وجود هذه الحياة ، بل أوصل - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه إليه في مضائق

الأحشاء حصة من الغذاء ، وحفظه من الآفات ، وحماه من العاهات بحيث لا يصل

إليه رفق الآباء والأمهات ؛ ليتم - جلَّ جلالُه - فيه مراده ، وينفذ فيه حكمه وعلمه .

ثم نقله من ضنك ذلك المحل وضيق ذلك المنزل إلى دار المحنة ومحل

الابتلاء والفتنة ، ولما أفضى إليه بكى فقال: ما الذي عليه بكى ، وإلى أرحب ما كان

فيه أفضى ؟ كلا ، ما بكى حتى يلقاه قل المبرة فيه الأذى ، وتلك آية على وجود

الابتلاء الذي وجد له ، والمحنة التي أعدت له ومقدمة معرفة ما هو صائر إليه من

الفزع يوم ينفخ في الصور ويبعث من في القبور .

لما يؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكا الطفل ساعة يولد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت