هذا (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ، ما أحسن ما أوجد وأتقن ما خلق وأحكم ، اللهم يا
ذا الجلال والإكرام فهمنا عنك ، ثم استعملنا بالذي يرضيك عنا .
(فصل)
المفهوم مما تقدم ذكره أنه - جلَّ جلالُه - الطاهر الطيب القدوس السلام المؤمن المهيمن
(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)لم يزل على ذلك ، ولا يزال أوجد
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه مخلوقاته جمعًا مما أوجد من أجله فوجوده حق محض ،
له المحامد كلها أوصاف وخلق .
كما قال عزَّ من قائل: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) .
(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39) .
و (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وما أوجده - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه لا لأجله ، فهو خلق له ومقدور ليس لأجله ولا بتوليه إياه ، فكذلك لزمه البعد
وانضاف إليه المذام على قدر ما لزمه من هذا الوصف .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه"فافهم وألقن ، فإنه من
لم يستدل على المعرفة بربه بصنعه لنفسه ، فلم يعرف الله إلا بالاسم لا بحقيقة
المعنى الذي دعا إليه ، وهو معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أعرفكم بالله أعرفكم"
بنفسه.
قوله - جلَّ جلالُه -: ( يَا أَيّهَا النَّاس اتقوا رَبَّكم ) و ( اعبدوا رَبَّكم )
وتسميتهم بالناس ، وسمى واحدهم إنسانًا ، والجنس منهم ناس ، ما معنى ذلك
الذي إليه أن يكون مسلمًا مؤمنا عالمًا حكيمًا برًّا رحيمًا عفوًا غفورًا كريمًا سخيًّا
شكورا ، هكذا ثم على نحو التعبد بها في الأسماء .
وأما المعرفة التي تحصلت قبل هذا ، ففي قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)