من وصفهم مجانبة المحرمات ، ومفارقة الشهوات والمشتبهات ، ومباعدة الإصرار
على السيئات ، وهو رقيبًا لله - عز وجل - في قلوب أوليائه: يحبهم - عز وجل - بذلك على الارتقاء في
الدرجات في أول مقام وفي أعلى مقام ، وفي أول كل نفس وفي آخر كل نفس ،
حتى إنهم إذا همَّ أحدهم بسوءٍ أو همَّ قاربهم لاحظ في الشاهد المشهود أو شهد
في البينات في الوجود المطلوب ، فاجأته التقوى لسان التقدير قائلة له: إياك ثم إياك ،
أو تلك عظة الله في قلب كل مؤمن ، هم درجات عند الله كما قال قائلهم:
ما إن ذكرتك إلا خالطت فكري ... هم الحشى وهو سري عند ذكراكا
حتى كان رقيبًا منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياكا
وأول التقوى: تقوى الشرك والكفر بالله - عز وجل - ظاهرًا وباطنًا ، وذلك أول الهداية ،
فإذا اتقى جملة المناهي صار بذلك من أهل الولاية ، ثم إذا اتقى هواه صار آمره غاية
ونهاية .
وآفة التقوى: الغفلة .
وسببها: الميل إلى الدنيا والركون إليها ، وذلك بسوء الغفلة عن التقوى في
التقوى .
(عبرة)
قد تقدم توهم الجملة وتشبهها بالسفينة بوجهٍ ، وبرجل قائم يصلي بوجهٍ ، عابد
لربه قانت مراقب لرقيبه بوجهٍ ، فأنت إن أردت العبادة العظمى الرفيعة ورفع التقوى
والقنوت العلا ، فاترك نفسك مفردًا مع ربك حتى كأنه لا ينظر إلا إليك ولا يراقب
سواك ، وإنه لكذلك ؛ إذ قد تحقق العلم بأنه لا يشغله شيء عن شيء ، وأنت الجزئي
المشبه بذلك الكلي قد أحاط بك علمه وقدرته ، وقدره وتدبيره ، وحفظه وإمساكه
في ظاهرك وباطنك وأولك وآخرك ، به حولك وقوتك وحركتك وسكونك ، وله
جميع أمرك ، فأنزل نفسك مع ربك منزلة المتوهم الذي لا يخاف غيره ، ولا ترائي
بعمله ، إذ الغير فيما هنالك معدوم إنما هو نفسه وربه .
فكذلك أنت مع ربك مفردًا لشأنك لا تملك بذلك سواه نفعًا ولا ضرًا ، ولا
موتًا ولا حياة ولا نشورًا ، فاتكل عليه واعبده وحدك كما خلقك وحده ، وأفرِدْه