ذلك من هذا ، كما يعرف أهل الدنيا فرق ما بين الشمس في البروز إليها ، وبين
الظلال باختلاف منافعهم في ذلك ومضارهم ، وإنما هو فيها هنالك الرضوان
والرحمة ثم الاٍكرام والتنعيم .
(فصل)
أما في الدنيا فمنافع الظلال والتبرر عنها مفهومة معلومة ، وقد جعل الله - جلَّ جلالُه -
ظلال ما هاهنا آيات على ظلال ما هنالك ، فقال جلَّ قوله:(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ
بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ
وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ)إلى قوله جل قوله:(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ
لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا).
ثم ذكر جل ذكره الوقايات بقوله:(وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ
تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ)ثم عبَّر بالذكر جل ذكره إلى حال الدار الآخرة ؛ ليرفع همم العباد
صعدًا ، فقال جلَّ قوله: في (كَذَلِكَ) أي: كما في هذه فعلنا (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)
بدخول الجنة (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هذا من الإسلام بخفض اللام ورفع
التاء ، وفيه محذوف تقديره: يبين لكم آياته لعلكم تسلمون .
وقرئ:"لعلكم تَسْلَمون"من السلامة ، أي: لعلكم تسلمون فتسلمون مما هو
أدهى وأمر ، ومباشرة ما هو أكرم دفاعًا ووقاية ، وظله - تبارك وتعالى - في البرزخ
دفاع عذاب ما هنالك وفتنته وظلال جناتها ، كما قال جلَّ قوله: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ
وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) .
وظله في عرصة القيامة: دفاعه وحفظه وتأمينه وتأنيسه ، وظل العرش يومئذٍ ،
وظله في الجنة ما تقدم ذكره والرضوان والتنعيم والرحمة .
توجيه أخر:
إن الله - جلَّ جلالُه - فما سخر لنا في هذه الدنيا السماء والأرض ، والشمس والقمر
والنجوم ، والليل والنهار والأنهار ، وكل ما دخل تحت قوله:(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [جَمِيعًا مِنْهُ] )، فهو كله مسخر لابن آدم في
الدنيا وبخاصة المؤمن ، فإن ذلك كله قد زاد في التسخير له بالهداية والإرشاد