قوله: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) .
فأخبر - جلَّ جلالُه - بصدق قيله أنه جعل من أمره من الروح نورًا في قلوب عباده يهدي
به من يشاء منهم لإصابة الصواب ومنهاج الحق المبتغى ، تلك هي الوارثة التي
أورثها - جلَّ جلالُه - عباده المؤمنين ، وأوليائه الصديقين من بركة أنبيائه ورسله هذا منبعث
الحكمة وحقيقة منتهاها إلى علي منبعثها في المؤمنين ، ثم في الصديقين ثم في
الأنبياء والمرسلين ، وقد أخبر الله - جلَّ جلالُه - أن منبعث أعلاها هو عن الروح من أمره
المنزلة على رسله ، فهو أحكم الحاكمين وهو الحكيم العليم .
قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) يعني: وهو
أعلم خصوص ضمير الكتاب بمعقود الإيمان به ، أو الصد عنه لتضمينه الحكمة ،
فإنه من آمن بالكتاب آمن بالحكمة ، وكذلك الحكمة مع الكتاب ، ومعرفة الآيات
في الوجود من الحكمة بالحكمة ، والحكمة بالحق والقول من الحكمة ، وقد يعبر
بالحكم عن الحكمة (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) .
وقال جلَّ قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)
فلفظ الحكم يردد بين معنيين: حكم الحكام الذين هم الخلائف
للرسل والأنبياء - عليهم السلام - وبين الحكمة ، ومعنى الحكمة تتضمن الوجهين
معًا ، وخاصة الحكمة معرفة الحق والعمل بمقتضاه على السنن المرتضى (وَلَقَدْ
آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
حَمِيدٌ (12) . فهذه جملة معبرة عن جملة الحكمة علمها والعمل بها .
ثم جعل - جلَّ جلالُه - يخبر عن إصابته بالقول وفصل الحق قولًا وعملًا إلى قوله: (إِنَّ
أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) . فالحكمة إذا هي معرفة حقائق
الموجودات كيف أوجدت ، وما المراد بها وإلى ما يؤول ، ومعرفة صانعها وجاعلها
فيها ، ثم العمل بموجب الحكمة ، فهو الحق المبتغى والسنن المرتضى ، هذه عبارة
عن الحكمة في تعرف الموجودات .
ومعرفة حقائق الموجودات ترجع إلى أربعة أركان:
أحدها: معرفة بداياتها ثم الوقوف على ظواهرها ، ثم معرفة بواطنها إن كان
المنظور فيه من الكيفيات ، ومعرفة لما أوجده موجده ، وهل هو من قبيل اليمين