فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 2809

قوله: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) .

فأخبر - جلَّ جلالُه - بصدق قيله أنه جعل من أمره من الروح نورًا في قلوب عباده يهدي

به من يشاء منهم لإصابة الصواب ومنهاج الحق المبتغى ، تلك هي الوارثة التي

أورثها - جلَّ جلالُه - عباده المؤمنين ، وأوليائه الصديقين من بركة أنبيائه ورسله هذا منبعث

الحكمة وحقيقة منتهاها إلى علي منبعثها في المؤمنين ، ثم في الصديقين ثم في

الأنبياء والمرسلين ، وقد أخبر الله - جلَّ جلالُه - أن منبعث أعلاها هو عن الروح من أمره

المنزلة على رسله ، فهو أحكم الحاكمين وهو الحكيم العليم .

قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) يعني: وهو

أعلم خصوص ضمير الكتاب بمعقود الإيمان به ، أو الصد عنه لتضمينه الحكمة ،

فإنه من آمن بالكتاب آمن بالحكمة ، وكذلك الحكمة مع الكتاب ، ومعرفة الآيات

في الوجود من الحكمة بالحكمة ، والحكمة بالحق والقول من الحكمة ، وقد يعبر

بالحكم عن الحكمة (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) .

وقال جلَّ قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)

فلفظ الحكم يردد بين معنيين: حكم الحكام الذين هم الخلائف

للرسل والأنبياء - عليهم السلام - وبين الحكمة ، ومعنى الحكمة تتضمن الوجهين

معًا ، وخاصة الحكمة معرفة الحق والعمل بمقتضاه على السنن المرتضى (وَلَقَدْ

آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ

حَمِيدٌ (12) . فهذه جملة معبرة عن جملة الحكمة علمها والعمل بها .

ثم جعل - جلَّ جلالُه - يخبر عن إصابته بالقول وفصل الحق قولًا وعملًا إلى قوله: (إِنَّ

أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) . فالحكمة إذا هي معرفة حقائق

الموجودات كيف أوجدت ، وما المراد بها وإلى ما يؤول ، ومعرفة صانعها وجاعلها

فيها ، ثم العمل بموجب الحكمة ، فهو الحق المبتغى والسنن المرتضى ، هذه عبارة

عن الحكمة في تعرف الموجودات .

ومعرفة حقائق الموجودات ترجع إلى أربعة أركان:

أحدها: معرفة بداياتها ثم الوقوف على ظواهرها ، ثم معرفة بواطنها إن كان

المنظور فيه من الكيفيات ، ومعرفة لما أوجده موجده ، وهل هو من قبيل اليمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت