فيوالى ، أم من ذوات الشمال فيعادى ، ويتبرأ منه إن كان من المتكلفين ، وباطن
العبد المنقاد للحكمة منير مضيء ، فهو شمس الباطن بنورها يتميز صور بواطن
الموجودات خيرها وشرها نفعها وضرها ، وهذا نور منبعث من حقيقة القلب
المعمور بنور الإيمان ، وهو عين شمسها لا أفول لهذه الشمس إلا في حجاب
الغفلة ، وإلا فنورها في عين البصيرة منبسط على آفاق القرآن ؛ بل الحكمة بنور
الإيمان أشد إضاءة ، وأثقب نورًا من نور الشمس في الظاهر ، فكما أن الشمس
الظاهرة تستنير بها الأبصار تتميز بها المرئيات ، فكذلك الحكمة بنور الإيمان في
الباطن ، وأكد مطلوب الحكمة معرفة العبد ربه هذا بالوجهة والنية .
وأما من حيث تناوش الطلب فآكد مما عليه طلبه معرفة نفسه حتى يعرفها حق
معرفتها ظاهرة وباطنة ، فمن هنالك يعرف ربه - جلَّ جلالُه - ، ومن لم يعرف ربه إلا بمخلوقاته
وبأسمائه لم يعرفه إلا معرفة أسماء وصفات إنما تتحصل حقيقة المعرفة بما صنعه
لنفسه خاصة ، وهذا فصل من الحكمة بعيد غوره جدًا ، وهو مع ذلك قريب متناوله
شريف نهايته ، فافهم .
والحكمة فاعلم هي الحق المخلوق به السماوات والأرض ، وهو ما اقتضته
أسماؤه الحسنى وصفاته الكاملة العليا ، فأكحل عينك بكحل السهر ، وألزِم نفسك
تدؤب التذكر وترداد التفكر ، واضرع إلى مالك عصم الإصابة - عز وجل - ، وادعه باستكانة
وافتقار إليه عساه أن يؤتيك نورًا تمشي به في الظلمات ، وفرقانًا تفرق به بين
المشتبهات ، ولعله بفضله العظيم يطوي بك المراحل ، ويرفعك إلى شرف المحال ،
فيجمع لك المراقي لعلي الدرجات ، سبحانه وله الحمد لا يقدر على ذلك سواه .
واعلم أن من خاصة الحكمة إذا تحققت بها لا تجهل شيئًا ، وإنما نورها مع
بواعث خطراتها ، وربما سبق نورها وانبسط ضياؤها على خلاء من الذكر ، وغيبة من
بواعث الخاطر ، فكان إلهامًا فافهم .
وليعلم طالب الحكمة أن العبد قد جمع الله فيه العلم كله ؛ وقد تقدم هذا فيه
الجواهر المركبة منه الجسم الظاهر الملازم له العرض ، فله منه طول وعرض
وعمق ، ولون وطعم ورائحة ، وإشغال مكان ، وجوهر باطن هو النفس والروح
والعقل ، وسُمي هذا جوهرًا من حيث هو أصل ، ولهذه العلة الذي ركبت منه