فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 2809

فيوالى ، أم من ذوات الشمال فيعادى ، ويتبرأ منه إن كان من المتكلفين ، وباطن

العبد المنقاد للحكمة منير مضيء ، فهو شمس الباطن بنورها يتميز صور بواطن

الموجودات خيرها وشرها نفعها وضرها ، وهذا نور منبعث من حقيقة القلب

المعمور بنور الإيمان ، وهو عين شمسها لا أفول لهذه الشمس إلا في حجاب

الغفلة ، وإلا فنورها في عين البصيرة منبسط على آفاق القرآن ؛ بل الحكمة بنور

الإيمان أشد إضاءة ، وأثقب نورًا من نور الشمس في الظاهر ، فكما أن الشمس

الظاهرة تستنير بها الأبصار تتميز بها المرئيات ، فكذلك الحكمة بنور الإيمان في

الباطن ، وأكد مطلوب الحكمة معرفة العبد ربه هذا بالوجهة والنية .

وأما من حيث تناوش الطلب فآكد مما عليه طلبه معرفة نفسه حتى يعرفها حق

معرفتها ظاهرة وباطنة ، فمن هنالك يعرف ربه - جلَّ جلالُه - ، ومن لم يعرف ربه إلا بمخلوقاته

وبأسمائه لم يعرفه إلا معرفة أسماء وصفات إنما تتحصل حقيقة المعرفة بما صنعه

لنفسه خاصة ، وهذا فصل من الحكمة بعيد غوره جدًا ، وهو مع ذلك قريب متناوله

شريف نهايته ، فافهم .

والحكمة فاعلم هي الحق المخلوق به السماوات والأرض ، وهو ما اقتضته

أسماؤه الحسنى وصفاته الكاملة العليا ، فأكحل عينك بكحل السهر ، وألزِم نفسك

تدؤب التذكر وترداد التفكر ، واضرع إلى مالك عصم الإصابة - عز وجل - ، وادعه باستكانة

وافتقار إليه عساه أن يؤتيك نورًا تمشي به في الظلمات ، وفرقانًا تفرق به بين

المشتبهات ، ولعله بفضله العظيم يطوي بك المراحل ، ويرفعك إلى شرف المحال ،

فيجمع لك المراقي لعلي الدرجات ، سبحانه وله الحمد لا يقدر على ذلك سواه .

واعلم أن من خاصة الحكمة إذا تحققت بها لا تجهل شيئًا ، وإنما نورها مع

بواعث خطراتها ، وربما سبق نورها وانبسط ضياؤها على خلاء من الذكر ، وغيبة من

بواعث الخاطر ، فكان إلهامًا فافهم .

وليعلم طالب الحكمة أن العبد قد جمع الله فيه العلم كله ؛ وقد تقدم هذا فيه

الجواهر المركبة منه الجسم الظاهر الملازم له العرض ، فله منه طول وعرض

وعمق ، ولون وطعم ورائحة ، وإشغال مكان ، وجوهر باطن هو النفس والروح

والعقل ، وسُمي هذا جوهرًا من حيث هو أصل ، ولهذه العلة الذي ركبت منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت