فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 2809

فهكذا فلتسلك في طلب الحكمة ، فإنه لمن الواجب أن يوجه الفكر نحو

المعلوم ؛ ويوجه الوهم نحو المحسوس والعقل به كعقل ما يعلمه ، وبحقيقة الإيمان

رؤية المطلوب يهديهم ربهم بإيمانهم ، فهو نور الباطن ، وبه يراه أولوا الألباب في

هذه الحياة الدنيا ، وهو المستصبح به فيما هنالك والهادي إليه ، والمطلوب العلي

وحده لولا الله ما عرف الله .

(فصل)

قد جعل الله لكل شيء دركًا ، فمن أتى البيوت من أبوابها دخلها ، ومن أتاها من

غير ذلك عسر عليه مطلبه لا ينال شيئًا إلا من حيث جعله الله دركًا له ، ولو رامه

طالبه من في السماوات ومن في الأرض ، بل هو لا يزيد إلا ضلالا وبعد عن مطلبه ،

فمن طلب الحكمة من طريق مطلبها أدركها في يسر وعافية .

وإنما أخطأها أكثر من طلبها ، لأنه طلبها من غير طريقها ، وبغير السبب الذي

جعله الله - جلَّ جلالُه - دركًا لها ، فربما لم يدركها بما تقدم ذكره ، فلم يطلبها بعد من طريق

أخرى بل كذب بصورتها ، وبحمل جهله على أن يجهل جهله ، ويجهل صورة جهله ،

كن كمثل من قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)

يبدلك المكنون إن شاء الله - جلَّ جلالُه - ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

(فصل)

لو أن المتقدمين لطلب الحكمة يطلبونها في مسالك معاني الأسماء والصفات

في العالم ، مع التسليم والإيمان لتبين لهم المطلوب ، لكهنم ضربوا يمنة ويسرة

يتعرفون الموجودات على ما هي عليه ، وأخذوا في التسيار والتساؤل عما لم يبلغوه

حتى صوروا معمور الدنيا مدائنها وأنهارها وبحارها ، وذكروا الممالك والسير

والأخلاق والصور .

وقسموا الدنيا أقاليم ونسبوا كل إقليم منها إلى كوكب ، وجدوا من ذلك ظاهرًا

من الأمر ، فلو أنهم سلكوا مع ذلك معالم الأسماء والصفات لا يصل لهم الأمر ،

وظهر لهم الحق بنور النبوة بتجلي حق اليقين ، فإن العقل لا يضيء له ما حوله إلا

بالإيمان ، ولا يعبر من حاضر إلى غائب ، فيصيب إلا بأعلام النبوة ، ولا يستحق أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت