فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 2809

وقد جعل الله - جلَّ جلالُه - لكل موجود وجودًا من الملائكة - عليهم السَّلام - ما

يطابقه يكون فعله في وجود ذلك الشيء إيجادًا له وإعدامًا وإنشاء ، أو ما يكون في

سبيل تنفيذ أمر الله جل ذكره من ذلك ، فالملكوت إذًا مأخوذ من جمع ملك ،

وينصاف إلى ذلك آية وصف لمفعولهم بالإحكام والإبداع وحسن التماسك كما

تقدم.

والعرب تقول:"ملكت العجين"إذا أجادت عجنه ، وبذلك يكون تماسكه ،

كـ رهبوت من رهبة ، ورغبوت من رغبة ورغب ، فكذلك ملكوت من ملكة وملك .

وأقرب سبيل تسنن على تعرفه فيما أعلمه - والله أعلم - معرفة الأسماء

والعلم بمسالك طرقها في العالم ، وعلى القول بالعموم وكشف المعنى ، فمعرفة

الحق المخلوق به السماوات والأرض وكل شيء ، وكل ذلك موجود في علم

الأسماء والصفات العلا ، ومن ذلك تدقيق النظر في تعرُّف جمع مواد المخلوقات ،

وتعرف دقائق مسالك النشء فيها ، من جواهر وأعراض وأحكام وخلق وأمر .

وبالجملة: فما كان تتميمًا للكلمات من سنته المتممة لذلك ، ثم على ظهور

ذلك المفعول واجتماعه ، فعبر عنه بلفظة الملك ، وقد يعبر بالملك عما يؤول إليه

-جلَّ جلالُه - الدنيا إلى ما هي الآخرة من سماوات وأرضين ومعاني الدار الآخرة ، وهو قوله

جلَّ قوله: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .

وقوله: (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) .

وقد يعبر بلفظ الملك عما هو سلطان الله في مملكته ، وقدرته في مقدوراته ،

وجبروته وكبريائه ، وأمَّا من حيث الموجود المخلوق فهو جَمْع موجود المخلوقات

من الأرض والسماوات وما فيهن ، وما بينهن إلى ما علا وإلى ما سفل ، ثم ما يكون

عن ذلك ، وما يؤول إليه من وجود الدار الآخرة ، والخلق والأمر من قبل ومن بعد ،

وتعرُّف ذلك من قوله جلَّ ثناؤه:(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

قَدِيرٌ . . . )إلى قوله: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ(5) .

وتبين في ذلك ما فطر الجملة عليه من شرعه الواضح المنهج وسننه النيرة ،

وسنته التي لا أمت فيها ، ولا عوج في الأولى وفي الآخرة وفيما بين ذلك ، وسيأتي

شرح ذلك إن شاء الله - جلَّ جلالُه - في موضعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت