فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 2809

قال الله - عز وجل -: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ(27) . فهذا هو

إبليس - لعنه الله - ومن خلقه اللَّه من الملائكة المعصومين عليهم السلام .

يقول الله - جلَّ جلالُه -: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) أي: من قبل خلق آدم

-عليه السَّلام - ، ومن هؤلاء هم فتانوا القبر وخزنة جهنم ، وأصحاب عذاب ما هنالك نعوذ بالله

من عذاب الله .

وقال عزَّ من قائل: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ(15) . كذلك

خلق - عز وجل - من خالص النور ملائكة ، هم ملائكة الرحمة أعدهم لمجازاة أهل طاعته .

(فصل)

قال الله عزَّ من قائل: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ(15) . فهؤلاء ولد إبليس لما

أهبط كما أهبط آدم - عليه السَّلام - ، فانسل فيما هنا كان ذلك منه حيث تنفست جهنم بنفَسيها ،

فخلق نسله من ذلك ، كما كان نسل آدم من ذلك مختلط النار بالزمهرير ، وكان نسبة

النار أقرب إليهم نسبًا ، لعدم ذلك فيهم ، كما كان حظ الطين والماء إلى نسل آدم

أقرب لقدم ذلك فيهم .

وأما نور الله العلي فلا ضد له إنما أوجد الضد للمحدث ، فطرد النور الظلام

إلى منتهاه ، وأوجد بينهما برزخًا في موضع التقائهما واختلاطهما ، كالبرزخ بين

البحرين ، والغبشين من الليل والنهار ، والخيف بين السهل والجبل ، فذلك البرزخ

بينهما هي النار أوجد جلَّ وتعالى عنها حجبًا فيما هنالك وأنهارًا جارية ، وما شاءه

لم يكن ظلمة لما فيها من الضياء ، ولا كان نورًا لما فيه من الظلمة .

ولذلك لما ذكر إبليس قال فيه: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)

فمفهوم هذا إنه كان مهتديًا ففسق ، أي: خرج عن هدايته ، ثم بآخره

يفهم من هذا إنه كان من الظلام ، فرجع إلى أصله بإغوائه إياه وإزالته عصمته عنه ،

ووصف الظلام ، وفعله الكفر والتغطية ، وعبَّر عن خلقته بالطرف الواحد منه ، وهو

الظلام ، ذلك لأنه ذكره في معرض الذم له ، كما عبر عن خلقته الإنسان حين أراد

ذمَّه أنه من التراب ، وأضرب في ذلك عن ذكر الماء الذي هو موضع الحمد منه ،

كذلك لما أراده من ذمِّ إبليس أضرب عن ذكر النار التي خلقه منها ، لما في النار من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت