فهرس الكتاب

الصفحة 868 من 2809

وكبره ، وشرته كلها إلى إيمانه وإسلامه ، فأتى الله بقلب سليم .

وبعبارة أخرى: فالحنيف إذًا هو من سلك في اعتباره مسالك الحق المخلوق

به السماوات والأرض ، فوقف بذلك على الصراط المستقيم وعرف المعبودات ،

ولأي معنى عُبدت ، واطلع في ذلك على مَن حيث ضل به الضالون ، وتنطع من

أجله المتنطعون في اتباع أباطيلها ، وأيقن بحقيقة اليقين ، وصحيح العلم المقصود

الحق ما هو ، والمطلوب العلي الأعلى من هو ، فعرف البون ما بين الهداية والضلالة

والحق والباطل ، فعبد المعبود الحق الذي لا إله إلا هو رب الأرباب ومبين الحق ،

وكان ميله تحنفًا وعبادة ، وإله الآلهة بوجهة خالصة ونية صادقة دون ما سواه ، فكان

ذلك تحنفًا منه لمعبوده الحق الذي هو محق الحق ومبين الحق ، وكان ميله تحنفًا

وعبادة ، استقامة بحقيقة من ذاته لمن تعبد له ، وتجرؤًا صحيحًا ممن تبرأ منه .

فعلى هذا يتصور الميل أنه الإقامة على الحق ، والثبوت على الاستقامة ، وأنه

نفس التحنف ، وكان الخليل - صلوات الله وسلامه عليه - قد وقف على

المعبودات ، وخواصها التي جعلها الله عز جلاله لها ، وعلم ما خلق جلَّ ذكره له ،

وجعله لها ليبلوهم أيهم أحسن عملًا ، وأن تلك سنة الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه

في بريته ؛ ليتمم كلماته ، فعلمه ذلك ولزومه سواء السبيل في سلوكه ، وحقيقة

الوجهة في تحققه سمي: حنيفًا .

والفطرة أيضًا هي الإطلاع والبدء ، يقال من ذلك:"فطر ناب البعير"إذا نبت ،

والتفاطير: بثور تطلع في وجه الغلام أول اقتباله ، وأفطر الصائم وفطر أيضًا ، ويأول

اللبن الحليب بأنه الفطرة .

قال الله - جلَّ جلالُه -: ( خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) فهو الذي

فطرها بالإسلام ، أي: سبقه إليها ، وأفطرها به من صومها ، وأبدأها به أيضًا ، فابتناهن

على مباني الإسلام ، وسبق إليهن خشيته ومخافته ومعرفته ، وأجرى ذلك منهن

مجرى الأرواح في الأجسام ، فعلى الإسلام انبنت ولمعرفتها به سبحته وإياه

حمدت ، وله كبرت وهللت ولإجلاله وإعظامه قنتت .

وفي بعض الآثار:"إن الله - جلَّ جلالُه - لما فرغ من خلقه وما خَلَقَه إلا بالحق لحظه"

لحظة فرجف من قواعده ، ثم لحظه لحظة أخرى فكاد أن يزول من مكانه ، ثم لحظه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت