الموجودات في سفلها إلى إتمام ما يسرته النفس له ، وهذه المسماة عندهم بالنفس
واحدة من جهتين سموهن بالإلهيات ، فاعجب لتأفيكهم عن الحق بصدوفهم عنه
بعد وصولهم إليه ، فكان مثلهم في ذلك مثل من طلب مطلوبًا ما ، فلما وجده شغل
عنه بغيره وشبه عليه به ، فتعلق بسواه وترك الحق جانبًا .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ
الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ).
قال الله جلَّ قوله يبين لهم: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) . إلى قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ
سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ
الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا
الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) .
وربما عارض معارض بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا لسائله يوم قال له: يا
رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال:"تردون موردًا واحدًا وتصدرون مصادر"
شتى"."
وفي أخرى:"تهلكون معهم وتحشرون على نياتهم".
فاعلم أن هؤلاء ظلموا أيضًا بكونهم بين أظهرهم ، فلم ينكروا عليهم ، وإذ لم
يستطيعوا ذلك كانوا يخرجون من بين أظهرهم ، وقد قال لهم:(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)، وكان من العدل أن أصابهم العذاب لمكثهم بينهم ، ثم يكونون
على نياتهم وإسلامهم .
قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) لما ذكر
الحق المخلوق به السماوات والأرض والناظرين فيه ، وذكر المهتدين الهادين من
الأنبياء والرسل والإخوان والأولياء - عليهما السلام - قال:(أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ)يعني: العرب وكفار الأمم من غيرهم