المسألة الرابعة: قالوا: الرياح أربع ، الشمال والجنوب والصبا والدبور ، فالشمال من نقطة الشمال ، والجنوب من نقطة الجنوب ، والصبا مشرقية ، والدبور مغربية وتسمى الصبا قبولًا لأنها استقبلت الدبور وما بين كل واحد من هذه المهاب فهي نكباء .
المسألة الخامسة؛ اختلف القراء في الرياح فقرأ أبو عمرو ، وعاصم وابن عامر { الرياح } على الجمع في عشرة مواضع البقرة ، والأعراف ، والحجر ، والكهف ، والفرقان والنمل والروم في موضعين ، والجاثية وفاطر ، وقرأ نافع في اثني عشر موضعًا هذه العشرة وفي إبراهيم: { كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الرياح } [ ابراهيم: 18 ] وفي حم عسق: { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرياح } [ الشورى: 33 ] وقرأ ابن كثير: { الرياح } في خمسة مواضع البقرة والحجر والكهف والروم في موضعين وقرأ الكسائي في ثلاثة مواضع: في الحجر والفرقان والروم الأول منها .
واعلم أن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية ، وأما من وحد فإنه يريد به الجنس ، كقولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم ، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع ، فأما ما روي في الحديث من أنه E كان إذا هبت الريح قال: « اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا » فإنه يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى ، قال تعالى: { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات } [ الروم: 46 ] وإنما يبشر بالرحمة ، وقال في موضع الإفراد: { فِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات: 41 ] وقد يختص اللفظ في القرآن بشيء فيكون أمارة له ، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله تعالى: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى: 17 ] وما كان من لفظ أدراك فإنه مفسر لمبهم غير معين كقوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة * وَمَا أَدْرَاكَ ماهية } [ القارعة: 3 ، 10 ] .
النوع الثامن من الدلائل: قوله تعالى: { الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السماء والأرض } [ البقرة: 164 ] سمي السحاب سحابًا لانسحابه في الهواء ، ومعنى التسخير التذليل ، وإنما سماه مسخرًا لوجوه . أحدها: أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع ، فلا بد من قاسر قاهر يقهره على ذلك فلذلك سماه بالمسخر . الثاني: أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث أنه يستر ضوء الشمس ، ويكثر الأمطار والابتلال ، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يقتضي القحط وعدم العشب والزراعة ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم هو المصلحة فهو كالمسخر لله سبحانه يأتي به في وقت الحاجة ويرده عند زوال الحاجة . الثالث: أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذلك هو التسخير فهذا هو الإشارة إلى وجوه الاستدلال بهذه الدلائل .