فهرس الكتاب

الصفحة 3582 من 8321

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة . قيل: هذا بناء على ما تقدم ، يعني يؤذون النبي ويسيؤون القول فيه ثم يحلفون لكم . وقيل: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فلما رجع رسول الله A إلى المدينة أتوه واعتذروا وحلفوا ، ففيهم نزلت الآية ، والمعنى: أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ، ليرضوا المؤمنين بيمينهم ، وكان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة ، لا بإظهار ما يستسرون خلافه ، ونظيره قوله: { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } [ البقرة: 76 ] .

وأما قوله: { يُرْضُوهُ } بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول ففيه وجوه: الأول: أنه تعالى لا يذكر مع غيره بالذكر المجمل ، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيمًا له . والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله ، فاقتصر على ذكره . ويروى أن واحدًا من الكفار رفع صوته . وقال: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال: « وضع الحق في أهله » الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله:

نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف

والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى ، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله ، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر . الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقًا لرضا الله تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني . السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك وقوله: { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } فيه قولان: الأول: إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا . والثاني: أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسدًا وعنادًا ، فلهذا المعنى قال تعالى: { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } وفي الآية دلالة على رضا الله لا يحصل بإظهار الإيمان ، ما لم يقترن به التصديق بالقلب ، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت