فهرس الكتاب

الصفحة 2723 من 8321

اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم .

فإن قيل: ما القرن؟ قلنا قال الواحدي: القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن ، لأن الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر ، والدليل عليه قوله عليه السلام:"خير القرون قرني"واشتقاقه من الأقران ، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم: القرن هو الستون ، وقال آخرون: هو السبعون ، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن .

واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات:

الصفة الأولى: قوله { مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } قال صاحب «الكشاف» مكن له في الأرض جعل له مكانًا ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } [ الكهف: 84 ] { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ } [ القصص: 57 ] وأما مكنته في الأرض ، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى: { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } [ الأحقاف: 26 ] ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله { مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا .

والصفة الثانية: قوله: { وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم مِدْرَارًا } يريد الغيث والمطر ، فالسماء معناه المطر ههنا ، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب ، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره . ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه . قال مقاتل { مِدْرَارًا } متتابعًا مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث .

والصفة الثالثة: قوله { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } والمراد منه كثرة البساتين .

واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة ، ثم بيّن تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضًا قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت