ثم قال تعالى: { فَأَقْبَلَتِ امرأته فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عجوزٌ عَقِيمٌ } .
أي أقبلت على أهلها ، وذلك لأنها كانت في خدمتهم ، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت وأعرضت عنهم ، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل ، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة ، وقوله تعالى: { فِى صَرَّةٍ } أي صيحة ، كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئًا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة لهن عند الاستحياء أو التعجب ، ويحتمل أن يقال تلك الصيحة كانت بقولها يا ويلتا ، تدل عليه الآية التي في سورة هود ، وصك الوجه أيضًا من عادتهن ، واستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما . أحدهما: كبر السن . والثاني: العقم ، لأنها كانت لا تلد في صغر سنها ، وعنفوان شبابها ، ثم عجزت وأيست فاستبعدت ، فكأنها قالت: يا ليتكم دعوتم دعاءً قريبًا من الإجابة ، ظنًا منها أن ذلك منهم ، كما يصدر من الضيف على سبيل الأخبار من الأدعية كقول الداعي: الله يعطيك مالًا ويرزقك ولدًا ، فقالوا: هذا منا ليس بدعاء . وإنما ذلك قول الله تعالى: { قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } ثم دفعوا استبعادها بقولهم: { إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم } .
وقد ذكرنا تفسيرهما مرارًا ، فإن قيل لم قال ههنا { الحكيم العليم } وقال في هود: { حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } [ هود: 73 ] نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم: { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } [ هود: 73 ] ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله ، وذكروهم بنعمته بقولهم: { حَمِيدٌ } فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة ، وقولهم: { مَّجِيدٌ } إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه ، وههنا لما لم يقولوا: { أَتَعْجَبِينَ } إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه ، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول ، وكذلك الحكيم هو الذي فعله ، كما ينبغي لعلمه قاصدًا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقًا للمقصود اتفاقًا ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لا يقال له حكيم ، وأما إذا فعل فعلًا قاصدًا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها ، يقال له حكيم فيه ، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجده ، وإن لم يفعل فعلًا وهو قاصد لعلمه ، وإن لم يفعل على وفق القاصد .