اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أمورًا سبعة .
المطلوب الأول: طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } [ البقرة: 126 ] والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به ، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد .
والمطلوب الثاني: أن يرزقه الله التوحيد ، ويصونه عن الشرك ، وهو قوله: { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } [ إبراهيم: 35 ] .
والمطلوب الثالث: قوله: { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } فقوله: { مِن ذُرّيَّتِي } أي بعض ذريتي وهو إسمعيل ومن ولد منه { بِوَادٍ } هو وادي مكة { غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } أي ليس فيه شيء من زرع ، كقوله: { قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } [ الزمر: 28 ] بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم ، وذكروا في تسميته المحرم وجوها: الأول: أن الله حرم التعرض له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرمًا لمكانه . الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعًا عزيزًا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب . الثالث: سمي محرمًا لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه . الرابع: أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقًا لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه . الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل . السادس: حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة ، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم ، فرفع إلى السماء السابعة . السابع: حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها: روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام ، فقالت سارة: كنت أرجو أن يهب الله لي ولدًا من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي ، وقالت لإبراهيم: أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع ، ثم رجع فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله . ثم دعا الله تعالى بقوله: { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ } إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينًا ، فقال رسول الله A: