فهرس الكتاب

الصفحة 2984 من 8321

اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة ، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل ، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل بينهم معاشرة ومخالطة ، والجمع: المعاشر . وقوله: { رُسُلٌ مّنكُمْ } اختلفوا هل كان من الجن رسول أم لا؟ فقال الضحاك: أرسل من الجن رسل كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله: { وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر: 24 ] ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى: { وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا } [ الأنعام: 9 ] قال المفسرون: السبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس .

إذا ثبت هذا المعنى ، فهذا السبب حاصل في الجن ، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن .

والقول الثاني: وهو قول الأكثرين: أنه ما كان من الجن رسول البتة ، وإنما كان الرسل من الأنس . وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع ، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى: { إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين } [ آل عمران: 33 ] وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة ، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط ، فأما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية ، فالكلام عليه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ } فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضًا من أبعاض هذا المجموع ، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضًا من أبعاض ذلك المجموع ، فكان هذا القدر كافيًا في حمل اللفظ على ظاهره ، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن . الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به ، كما قال تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الجن } [ الأحقاف: 29 ] فأولئك الجن كانوا رسل الرسل ، فكانوا رسلًا لله تعالى ، والدليل عليه: أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه . فقال: { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } [ ياس: 14 ] وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة ، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين ، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق ، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة ، فكان المقصود حاصلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت