اعلم أن في قوله تعالى: { أَيَّامًا معدودات } مسائل:
المسألة الأولى: في انتصاب { أَيَّامًا } أقوال الأول: نصب على الظرف ، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام في أيام ، ونظيره قولك: نويت الخروج يوم الجمعة والثاني: وهو قول الفراء أنه خبر ما لم يسم فاعله ، كقولهم: أعطى زيد مالًا والثالث: على التفسير والرابع: بإضمار أي فصوموا أيامًا .
المسألة الثانية: اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان ، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء ، ورواه عن ابن عباس ، ثم اختلف هؤلاء فقيل: ثلاثة أيام من كل شهر ، عن عطاء ، وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر ، وصوم يوم عاشوراء ، عن قتادة ، ثم اختلفوا أيضًا فقال بعضهم: إنه كان تطوعًا ثم فرض ، وقيل: بل كان واجبًا واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان ، واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير صوم رمضان بوجوه الأول: ما روي عن النبي A أن صوم رمضان نسخ كل صوم ، فدل هذا على أن قبل وجوب رمضان كان صومًا آخر واجبًا الثاني: أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية ، ثم ذكر حكمهما أيضًا في الآية التي بعد هذه الآية الدالة على صوم رمضان ، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان ، لكان ذلك تكريرًا محضًا من غير فائدة وأنه لا يجوز الثالث: أن قوله تعالى في هذا الموضع: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } يدل على أن الصوم واجب على التخيير ، يعني: إن شاء صام ، وإن شاء أعطى الفدية ، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين ، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان .
القول الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين ، كابن عباس والحسن وأبي مسلم أن المراد بهذه الأيام المعدودات: شهر رمضان قالوا ، وتقريره أنه تعالى قال أولًا: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله تعالى: { أَيَّامًا معدودات } فزال بعض الإحتمال ثم بينه بقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن } [ البقرة: 185 ] فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه ، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها فلا يجوز القول به .
أما تمسكهم أولًا بقوله عليه السلام: « إن صوم رمضان نسخ كل صوم »
فالجواب: أنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يكون المراد أنه نسخ كل صوم واجب في الشرائع المتقدمة ، لأنه كما يصح أن يكون بعض شرعه ناسخًا للبعض ، فيصح أن يكون شرعه ناسخًا لشرع غيره .
سلمنا أن هذا الخبر يقتضي أن يكون صوم رمضان نسخ صومًا ثبت في شرعه ، ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخًا لصيام وجب بغير هذه الآية فمن أين لنا أن المراد بهذه الآية غير شهر رمضان .